النور الذي أحرق كلّ شيء

من أي شجرة أضاء نورك في قلبي حتى كان عسجدًا لا ينطفئ؟
لو ابتلعته ظلمات يونس ما قدرت على حجب نوره.
ولو وقفت بجانبه الشمس لغابت كنجمة تستحي من مجاورتها.

مشيت على خطى آدم فقضمت منها طمعًا في الخلود إلى جنتك، فطُردت منها، ومن شابه أباه ما ظلم!

القصيدة الأعظم لم تكتب بعد، لأن نورك كان يبخّر المداد قبل أن يمس الورقة.
اللوحة الأجمل لم ترسم، لأن الفرشاة كان يحرقها النور قبل مصافحة الألوان.

كل الرسائل نسخ مزورة للرسالة الأقدس التي تحمل نبوءتك.
كل مدائح الغزل أدعياء للرسول المبشر بك.

الحروف اللامتناهية تستحيل صفرًا كلما حاولت أن تحملك فوقها.
تستنجد بالوحي ليكتبك، والوحي من بعد محمد منقطع.

في كل ليلة أقرع عتبة السماء، من يفتح الباب لينقذ القصيدة واللوحة والنبي؟

Advertisements

الفصل الأول

 

الفصل الأول

 

كنت أطمح في صغري بأن أصبح روائيًا. كانت فكرة أن يُصبح العالم طوعًا لإرادتك تستهويني جدًا. ظلت الفكرة تكبر معي باختلاف الروائيين الذين كنت أسعى لمحاكاتهم.

لم يكن يتطلب الأمر مني لموت أي شخصية سوى أن أكتب بأنها ماتت. أو حتى تعذيبها قبل قتلها إذا ما كانت شخصية أكرهها، حتى وإن كنت أنا من خلقها لتكون بهذه الصورة التي كرهتها عليه.

كنت أتصور حجرتي التي أخلو فيها لكتابة روايتي بمثابة الغرفة التي مكث فيها الله حينما كتب روايته، وكلما أمسكت قلمي وشرعت في الكتابة شعرت بأنني تبوأت عرشه.

كنت أحيانًا أفهم كيف كان يفكر حينما أراد أن يخلقنا. أعترف بأنها مهمة صعبة. فحتى وإن كانت فكرة عالم صالح تخلو منه الحروب والآثام مثالية، ولكنها كانت في عيني مملة. ولا أظن أحدًا سيهتم بقراءتها لو فعلت. ومن هنا اخترت بأن أخلق في عالمي الخطيئة وأن أعاقب عليها.

مصير كل المتحابين بيدي. إن شئتُ قتلتهم بالحب كما فعل شكسبير، وإن شئت توجتهم بالزواج كما… حسنًا، أعترف بأنني لا أستحضر أي عمل كانت نهايته كما نرغب كلنا بأن تنتهي قصص الحب عليه.

لا أدري لماذا يعمد الروائيون إلى خلق مزيد من الكآبة في العالم وكأنما العالم لا تكفيه الكآبة التي يحملها. ولكنني سأعذرهم هذه المرة. سأعذرهم بصفتي روائيًا -الصفة التي قلدتُها للتو نفسي-، وإن كنت سألعنهم دومًا بصفتي قارئًا. فقد وجدتُ نفسي حينما شرعت في كتابة روايتي مضطرًا لمثل نهاياتهم إذا ما أردت لقصتي أن تحيى، فالحزن أكثر خلودًا في نفوس الناس من الفرح.

أعلم أنكم تلعنوني الآن، مرة لأنني اخترت هذه النهاية، ومرة أخرى لأنني أحرقتها عليكم. ولكنني سأطمئنكم بأنني قمت بتغييرها، ولن أخبركم -لحسن ظنكم- بما صارت عليه، ليس لأنني لا أريد ذلك، ولكن لأنني مثلكم لا أعرفها حتى اللحظة، أو أتمنى أن لا أعرفها!

فبعد انتهائي من كتابة الفصول الخمسة الأولى، حدث أن وقع لي ما كتبته في فصلها الأول. لم أعر لهذه المصادفة أدنى اهتمام، حتى توالت علي أحداث الفصول الأخرى!

توقفت عن الكتابة، فقد كنت أقود بطلي نحو حتفه دون أن يعلم، وإذا ما كانت هذه اللعنة حقيقة فأنا أقود نفسي أيضًا نحو حتفها.

ولوهلة فكرت بأن أغير السيناريو كاملًا، فما دامت صحف الأقدار تنسخ من روايتي، فلم لا أكتب لنفسي نهاية جميلة تسير إليها، وليذهب القراء، نعم أنتم، إلى الجحيم.

كتبت الفصل السادس، على غير مسودته الأصلية، ولكن أحداثها هذه المرة لم تقع. ارتحت قليلًا، هل كان ما جرى لي في الفصول الخمسة مصادفة لا أكثر؟ فكرت بأن أعود للسيناريو الأول، ولكن عاودتني المخاوف مرة أخرى.

فكرت بأن أتخلى عن كتابة الرواية قبل أن تراودني فكرة أخرى، بأن أقلب الطاولة على الأقدار، فلا أدعها تنسخ مني ولكن أنسخ أنا من صحائفها فأدوّن كل ما يجري لي في هذه الرواية.

 

ربكة

 ما زلت أعجز عن اكتشاف الشيء الذي تمتلكينه ولم أستطع أن أجده في غيرك.
ولماذا أستملحك بعيني وقلبي، وغيرك عيني وحدها من تستملحهم.
أرفض الذين يعزون ذلك للحب.
بالطبع جمّلك الحب أكثر، ولكنها نظرتي مذ وقعت عيني عليك أول مرة قبل أن أعرف حتى اسمك.
تربكني عيناك وهي هادئة، ولطالما وددت بتقبيلها.
وفي شفتيك الكوثر الذي لا يضيرني لو ذقتهما إن مت عطشًا بعدها.
وفيك سحرٌ لا تبصره سوى عيني، فإذا ابتسمتِ تكشّف للناس كلهم!
وقولي بربك ما الذي يحتفظ به وجهك حتى يكون عصيًا على كل الأحوال وحتى لا أملّ النظر إليه؟
ولماذا لا يفعل النوم به ما يفعله بوجوه الناس، فتستيقظين وكأنما الملائكة كانت تحرس وجهك!
بأي يدٍ خلقك الله حتى تتفردين دون سائر خلقه بكل ذلك؟
سبحانك، سألتك مرة معجزة يطمئن بها قلبي نحوك، فبعثتَ لي عينيها، ثم عذبتني بها على سؤالي!

 

إرادة روبي وآش

إرادة روبي وآش

تخيل أن تكون إرادة أحدهم طوع قلمك، أن تكون الشخصية التي ترسمها في مخيّلتك عنهم هي ما تتكون عليه في واقعهم، أن لا يتطلب الأمر سوى أن تكتبه ليكتسب وجوده الرسمي والذهني معًا. أن تمارس عليهم دور الرب وهم بالآلهة ملحدين.
يصوّر فيلم Ruby Sparks هذه الفانتازيا من خلال شخصية كالڤن، الكاتب الذي رأى في أحد أحلامه فتاة فاختار أن يستلهم منها شخصية روايته، لكن المفاجأة تحدث حينما يستيقظ من نومه فيجدها كما تخيلها في روايته، باسمها وشخصيتها وحتى تاريخها.
يتجاوز الصدمة، ويعود إلى آلة الكتابة ليثبت شكوكه أو ينفيها، فيكمل كتابة روايته، لتتمثل فتاته في واقعه كما تخيّلها.
كان باستطاعته أن يجعلها تتحدث الفرنسية كما فعل مرة وتأكد عندها أن آلة الكتابة هذه لا بد وأنها قد سقطت سهوًا من يد الآلهة.
حينما استاء لحاجتها إلى البعد عنه قليلًا والاختلاط بالناس نتيجة عزلته، كل ما احتاجه لتعديل سلوكها أن كتب في روايته أنها كانت تكتئب حينما لا تكون معه، فتعلّقت به حتى تمثلت طلال وهو يقول “توحشني وانت بجنبي” وبكت من فرط اشتياقها له وهي معه!
وكل ما احتاج إليه حتى يمنحها السعادة أن يكتب ذلك في روايته أيضًا.
لربما استهوتك الفكرة قليلًا، وتحركت في نفسك نزعة التملّك، وقلّبت في مخيّلة هذه الفانتازيا صورة حبيبتك لتغيّر شيئًا من إرادتها نحوك أو لتتعلق بك أكثر، أو أن تسمعك الكلمات التي تضنّ عليك بها، أو أن تمنحك ما تفكر به الآن، أيًا كان ما تفكر به الآن.
ولكنك ستواجه بعدما تشبع كل نزواتك اللحظية التساؤل الذي تردد في ذهن كالڤن، فيما لو كانت روبي فتاة حقيقية.
بالطبع كانت حقيقية عند كل أحد، وعند نفسها أيضًا. فلم يكن ينقص إنسانيتها شيء، ولكنها كانت عند كالڤن ناقصة الإرادة.
لم يعد لمشاعرها أية قيمة، ما دامت مشاعرها من صنعه.
كان باستطاعته أن يدفعها لأن تقول له “أحبك، أحب شكلك وفمك وأنفك وشعرك، أحبك يا عبقري”، ولكن ما قيمة هذه الكلمات إن لم تخرج بإرادتها؟
ما قيمة الحب إن لم يكن مدفوعًا بإرادة نجهلها، بإرادة لا نستطيع التنبؤ باستجابتها، لا نحارب في محاولة إقناعها أو كسبها؟
يختلف الإنسان عن الإنسان بالإرادة، فإن لم تكن ثمة سوى إرادة واحدة، فليس ثمة سوى إنسان واحد، وإن تعددت الأجساد.
وما يحدد الموجودات الحية عن غيرها هو اكتساب هذه الإرادة، بدونها لا يعدو الإنسان أن يكون آلة مُبرمجة.

ينقلني ذلك إلى آشن في مسلسل Black Mirror وتحديدًا في حلقة Be Right Back.
نحن هنا مع جسد آخر مسلوب الإرادة ولكن بصورة مختلفة، فحينما تفقد مارثا حبيبها آش، تسمع عن خدمة تبقي صلتها مع الموتى، عن طريق استخدام ماضي الميت على شبكاته الاجتماعية وتحليل كل منشوراته وتعليقاته وإعجاباته. ومن خلال تحليل الذكاء الاصطناعي لأسلوب حديثه، يحاكي البرنامج آش فتتحدث معه مارثا كما كانت تتحدث معه وهو على قيد الحياة.
تتحسن نفسيتها بادئ الأمر على الرغم من علمها أن الإرادة التي تتوهمها هي إرادة مصطنعة من تاريخ آش، ويتطور الأمر فتشتري ‘روبوت’ بتفاصيل جسده لتعيش معه حد ممارسة الجنس!
وهنا تقارن مارثا بينهما.
كانت الإرادة هي العلامة الفارقة بين الجسدين، وكل التفاصيل التي افتقدتها مارثا في جسد آش المبرمج تعود إلى نفس الإرادة التي تفتقدها وتفتقد الإحساس بها، فلم تكن إرادته سوى نتيجة لوغاريتمية محتمة، تفقد بها الإرادة مفهومها العشوائي الذي يحتمل المفاجأة والتقلب والدهشة ولا يخضع لمعطيات ومعادلة محددة!

 

سيدة المسيح

 

سيدة المسيح

خلع سترة الحب الملطخة بالخيبة، استنفدت منه الحرب كل ما تبقى في روحه من حياة. لم يكن يعلم أن معارك الحب هي الأخرى لا يمكن حتى للمنتصر فيها أن يخرج منها سليمًا. كل أنبيائه قد قُتلوا، فكفر بأفروديت وإيروس وفينوس وكل آلهة الحب.
يتحسس من ذكرها، تصيبه نوبة الصدمة كلما قرع أذنه اسمها.
اعتصرت الحرب قلبه حتى جف بعدما كانت المعاني تستمد حياتها منه.
لم تعد خطرات النساء تعني له ما كانت تصنع به قبلها، حجرًا أمام أسنة الملاطفات، حطبًا تحترق دون الوصول إليه الرغبات.
كل الوجوه التي كانت تمر عليه لم تلفت انتباهه، لقد فقد المادة التي كانت تمده بالشعور نحوها. يستثقل خطواته في عجلة الزمن. همّ مرة بأن يتخلص من جسده ليلحقه الموت كما فعلت الحرب بروحه.
وهناك.. هناك كانت تقف وحدها.
أحس برعشة تسري في جسده، برائحة الحرب التي لا يخطؤها قلبه، ارتعد خوفًا. ولكن خوفه من شعوره بالخوف كان أشد.
كان العلامة الأولى على أن روحه لم تلفظ أنفاسها كلها، وأنها ما زالت تشعر وتخاف!
هو الذي مذ عاد من وغى الحرب لم يهب شيئًا ولم يخشَ على نفسه من أحد، فلماذا أحس الآن بالخوف منها دون غيرها وهو لا يعرفها؟
لقد كان متأكدًا من أن روحه قد فارقت الحياة منذ مدة، فمن هذه التي استطاعت بمسحتها أن تعيد لروحه الحياة؟

انقطاعات الباث

 

انقطاعات الباث

ونحن نحتضر في الأيام الأخيرة من الباث، تذكرت رواية ساراماغو البديعة انقطاعات الموت، حينما استعار الموت من الفانتازيا ليجيب عن تساؤلين: كيف ستكون الحياة لو انقطع الموت عنا؟ وهل سيكون من الأفضل لو عرفنا متى سنموت؟

الجزء الثاني هو ما استعادته ذاكرتي عند إعلان الباث إغلاقه بعد شهر، ليقضي بوفاتنا جميعًا في هذا العالم. لكن الحالتين ليستا متشابهتين تمامًا، ففي انقطاعات الموت، لم يكن الموت مقضيًا على الجميع في الوقت نفسه كما هو الحال في موت الباث. الموت في الباث أشبه بالقيامة، حيث تنقطع الحياة عن كل الموجودات دفعة واحدة، لا أحد يبقى، كل العالم سيفنى كما لو لم يكن، في حين كان الموت يتخطف الأفراد في عالم ساراماغو.

تساءلت وأنا أقارن بين الصورتين: هل كان الحزن الذي ينتاب الإنسان في عالم ساراماغو حينما يعلم بوفاته قبلها، لأنه سيغادر الوجود، أم لأنه وحده من سيغادر الوجود؟ لربما كانت فكرة القيامة أو فكرة الموت الباثي حيث يرحل الجميع معه إلى منفى العدم أهون عليه من أن يُنفى وحده عن عالمه في حين يستمر الآخرون فيه.

في اعتقادي أن ما يحدد هوية الوجود عندنا هو بقاء الآخرين لا بقاؤنا. وقد لا يستسيغ الإنسان فكرة الوجود في ظل رحيل الآخرين كما لا يستسيغ فكرة الرحيل في ظل بقائهم. الموت هو انفصالنا عن الآخرين. وقد يبلغ بالإنسان بعد رحيل الذين كانوا يشكلون العالم والوجود بالنسبة له حدًا يشعر معه أنه الميت وأن الذين رحلوا عنه ينعمون بالحياة في عالمهم الآخر، فيتمنى الرحيل معهم إلى عالمهم.

 

رسالة إلى آغليا

 

رسالة إلى آغليا

الكاتب: Laplander
ترجمة: سامي البطاطي

إلى حبيبتي كما كنا، و.. -سأكذب إن قلت- صديقتي كما أصبحنا عليه، فالحب عزيزٌ عليه إن دخل قلبًا أن يخرج منه وحده. وما إن يرتقي المرء في سلّم الحب حتى يلقي بالسلالم الأولى فلا يتمكن بعدها من العودة إلا برمي نفسه، وعلى قدر صعود المرء في سلم الحب يكون وقع السقوط أشد.
كنت منذ صغري أخشى الارتفاعات، خصوصًا تلك التي ليس بينها وبين أن تسقط سوى أن يدفعك أحدهم نحوها، ولكن حبك كان أشد الارتفاعات التي خشيت السقوط منها.

يقول لي أصدقائي أن الزمن كفيل بمعالجة كل الخيبات، فما باله قد تقاعد عن أداء مهمته حينما احتجت إليه.
ثمة أشياء لا يمكن لنا أن نعود بعدها كما كنا قبلها.
أنتِ الوجود الذي ارتديته بغير اختياري، ووحده الموت طريق الخلاص منه.
صحيحٌ أن أفكار الانتحار كانت تقتلها نزعة التمسك بالبقاء التي ابتلي الإنسان بها ولو كان يعلم يقينًا بتعاسة حاضره ومستقبله، لكن الموت لم يعد بالنسبة لي فكرة مخيفة أو سيئة جدًا.

لقد عرفت منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك أن حريتي قد انتهت عندها.
وتصالحت لأجل تلك اللحظة مع كل الأقدار الماضية لأنها من عبّدت طريق لقائنا، وربما لو اختلفت منها لحظة واحدة لم ألتقي بك. كان العالم كله يهيئنا لهذه اللحظة!
لم يتعلق بك قلبي وحده، كان كل شيء فيّ معلق بك، روحي وقلبي وعيني وأذني وفمي وجسدي. عيني تستملح ملامحك، وأذني تطرب لصوتك، وفمي يستلذ النطق باسمك، وجسدي يحنّ إليك، وروحي.. معلقة بك أبدًا!
أشعر كما لو أن حبلًا يمتد من كل خلية في جسدي نحوك، ولطالما تخيلت الجنة مكانًا أعيش فيه معك.

حينما صافحتك آخر مرة، مكثت فترة طويلة أتجنب مصافحة الناس، أردت أن تكون يدك آخر يد لامستها. يدك التي لو صافحتها بيسراي لكانت هي اليمنى!
وكنت أتوهم أنني إذا أكثرت النظر إليك، سيقتل الاعتياد دهشة جمالك في قلبي، لكنني كنت في كل مرة أنظر لك بعين الدهشة الأولى. ما زلتِ في عيني أجمل امرأة رأيتها، وكأنما اجتمعت على خلقك آلهة الأديان كلها.

بالأمس وبينما كنت أقلب ألبوم الصور، وقعت عيني على صورة لك، فخِرتُ كما لو أن صخرة ثقيلة ألقيت على ظهري. ولم تكن هذه الصخرة سوى ذكريات ألقتها على قلبي صورتك دفعة واحدة.
آمنت بأن عدو الإنسان ذاكرته.
لطالما حاولت عبثًا تجنب النظر إليها والتوقف عن التفكير فيك، ولكن كل شيء كان يذكرني بك، حتى الكلمات التي تحمل في بنيتها أحد حروف اسمك صارت تذكرني بك.

كنا كشجرتين تبدوان للناس منفصلتين، ولكن جذورها كانت تعانق بعضها، فلما شاءت أوراقنا أن تتعانق هي الأخرى وتعلن الحب للناس تنبهت الأقدار لنا فقطعتها.
وبعد أن كان الغياب ضيفًا زائراً، صار يتخذ فينا وطنه.

إن حالي معك أشبه برجل فقدت زوجته ذاكرتها، فهو ينظر إليها كحبيبته وزوجته، في حين لا تنظر له هي سوى كرجل لطيف يتودد لها. فلا أنا بالقادر على التخلي عنك لأنك في عيني زوجتي، ولا أنتِ بالقادرة على استعادة ذاكرتك وتقبلني كذلك.

إنني لا أستطيع تفسير ما حدث بيننا إلا عقوبة إلهية. ولم تكن خطيئتي التي استحققت بها عقوبة الله أنني أحببتك، ولكن لأنني أحببتك أكثر من الله فعاقبني بك.
لطالما أرّقتني فكرة اطلاع الله على ما في قلبي لهذا السبب.
كان بإمكان الله حينما رفع الحب عن قلبك أن يطفئ شمعته عني أيضًا فنغدو كأي اثنين جمع بينهما الحب يومًا ثم رحل، ولكن الآلهة شاءت أن تظل نار الحب مشتعلة في قلبي وحدي حتى أحترق بها.
ربما كانت نسبة ما حدث بيننا إلى الله محاولة مني لتبرئتك ولو باتهام الله نفسه، وإن كنت أختار أحيانًا أن لا أؤمن بالله لأنني أحبه ولا أريد أن أنسب له خيبتي الأكبر، فإيماني به سيحتّم علي أن أعتقد أنه على أقل تقدير سمح بذلك.
أظنها مفارقة أن يكفر المرء بالله لأنه يحبه ولا يريد أن يعتقد به نسبة الخيبة إليه.

وفي الوقت نفسه لا أريد نسبتها لك، فلطالما حاول قلبي أن يحتفظ بصورتك المقدسة ولو على حساب تدنيس الأشياء كلها.
حتى أخطاؤك -التي كان ينظر لها قلبي أحيانًا كأخطاء- وتقع الملامة في نفسي عليك بسببها، كنت أتعمد ارتكابها لا انتقامًا ومماثلة في الفعل كما قد يبدو للناس، ولكن حتى نكون في الخطأ سواء فلا يبقى للملامة مبرر.

إن أكثر ما كنت أخشاه معك أن لا أمنحك السعادة التي تبحثين عنها والتي تستحقينها، السعادة التي كنت أتقفى أسبابها لأبذلها لك وكتبت على نفسي أن أسعى خلفها ولو على سفوح القمر، فحينًا أصيب وحينًا أعجز وحينًا أخطئ، وحينما أخطئ فلأنما توهمت فيما أخطأت سعادتك.
فإن أبت سعادتك أن تكون إلا في غيابي.. فسأبتعد أيضًا!

لابلاندر

 

عودة لما قبل الوراء

في أحد أيام آذار، استيقظت وقد أدار الزمن عجلاته إلى الخلف، وكانت الأشجار تعانق بعضها غافلة عن الطفل الذي تسلل خلسةً من صفحة الغد.
صغيرًا كنتُ في الثامنة، غير أني ما زلتُ أحتفظ بذاكرة منتصف العشرين. لقد أعاد الزمن الأشياء كلها إلى الوراء وسقطت ذاكرتي.

في تلك الصفحة من الزمن رأيتك ثانيةً لأول مرة. ثانيةً، لأنني التقيتك في المستقبل. ولأول مرة، لأننا في عرف اللحظة التي عدنا إليها لم نلتقي سلفًا.

عرفتُك في اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك. صحيحٌ أن كثيرًا من ملامحك كانت قد اختلفت، إلا أن عينيك ما زالت تحتفظ بالسحر نفسه الذي أوقعني في حبك وأنتِ في العشرين من عمرك. وحينما سألتك عن اسمك، وتأكدتُ أنك تحملين روح الفتاة التي أحبها، كتمتُ عنك سرّي.
لا أدري إذا ما كنت قد أحببتكُ ثانية أم هو الحب نفسه الذي حملته في حقائب الذاكرة!

صفحة بيضاء كنتِ، كقطرة مطر سقطت للتوّ من غيمة ولم تصل بعدُ للأرض. هادئة كالطبيعة التي كنا نلهو فيها، ونقتطف من أزهارها، وعند كل وردة أسألك إذا ما كنتِ تعرفين اسمها.

متشبثًا بيدك، لم تكن ثمة وجهة تقود أقدامنا الصغيرة قبل أن يدفعنا سقوط المطر لنستظل تحت إحدى الأشجار الكثيفة التي لم تستطع أن تمنع عنا البلل.

وفي احتبائنا الصامت، كنت أتأمل صوت أنفاسك وهي تخرج من شفتيك اللتين أرجفهما برد المطر.
تلتفتين إليّ وحينما تبصرين خدي المبلل تسألينني لماذا أبكي، فأكذب عليك بأنه بلل المطر وأن عيني المحمرة قد أصابها الرمد.
كاتمًا عنك سري، هل أخبرك بأننا إذا كبرنا سنفترق؟!

  • أصل القصة رؤية في المنام، بتصرّف!

وردة العيد الحزينة

بالأمس، وبينما كنت أسير في أحد شوارع المدينة المكتظة بالناس على اختلاف ألوانهم وأصواتهم، استثارني من خلفي صوت فتاة غاضبة. لا أدري إن كان وصفها بالغاضبة دقيقًا، فنبرتها كانت خليطًا بين الغضب والعتب والحب.

تصرخ في وجه رجل على هاتفها، تعاتبه لأنه زار أخرى وأهدى لها وردةً في حين تجاهلها ولم يهد لها أي شيء.

لم تكن المسألة بالنسبة لها مجرد وردة يمكن لأي أحد أن يقتطفها من على أرصفة الشوارع المتوشحة بها في أيام العيد، بل في المعاني المقتطفة من جذورها.

كانت تردد بنبرة يخنقها البكاء “ما أعني لك شيء؟ تروح لغيري وتهدي لها وردة، وتتجاهلني، وش سويت لك حتى تعاملني كذا؟!”.

ثم انقطع صوتها، لأن دموعها التي كانت تغالبها قد تكاثرت عليها حتى زاحمت كلماتها.

لم أشأ أن ألتفت إليها، كان صوتها المتردد يكفي ليحرك مشاعر الشفقة نحوها، لا أريد أن أرى في العيد وجهاً حزينًا سُرقت من محياه باسم الحب فرحته. تمنيت لو استطعت مواساتها بأي شيء ولو بأن أدعوها لتتحدث إلي بكل ما في نفسها، لكنني أطرقت رأسي نحو هاتفي، وأكملت طريقي مع الناس وكأن شيئًا لم يكن.

.

 

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑