رسالة إلى آغليا

 

رسالة إلى آغليا

الكاتب: Laplander
ترجمة: سامي البطاطي

إلى حبيبتي كما كنا، و.. -سأكذب إن قلت- صديقتي كما أصبحنا عليه، فالحب عزيزٌ عليه إن دخل قلبًا أن يخرج منه وحده. وما إن يرتقي المرء في سلّم الحب حتى يلقي بالسلالم الأولى فلا يتمكن بعدها من العودة إلا برمي نفسه، وعلى قدر صعود المرء في سلم الحب يكون وقع السقوط أشد.
كنت منذ صغري أخشى الارتفاعات، خصوصًا تلك التي ليس بينها وبين أن تسقط سوى أن يدفعك أحدهم نحوها، ولكن حبك كان أشد الارتفاعات التي خشيت السقوط منها.

يقول لي أصدقائي أن الزمن كفيل بمعالجة كل الخيبات، فما باله قد تقاعد عن أداء مهمته حينما احتجت إليه.
ثمة أشياء لا يمكن لنا أن نعود بعدها كما كنا قبلها.
أنتِ الوجود الذي ارتديته بغير اختياري، ووحده الموت طريق الخلاص منه.
صحيحٌ أن أفكار الانتحار كانت تقتلها نزعة التمسك بالبقاء التي ابتلي الإنسان بها ولو كان يعلم يقينًا بتعاسة حاضره ومستقبله، لكن الموت لم يعد بالنسبة لي فكرة مخيفة أو سيئة جدًا.

لقد عرفت منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك أن حريتي قد انتهت عندها.
وتصالحت لأجل تلك اللحظة مع كل الأقدار الماضية لأنها من عبّدت طريق لقائنا، وربما لو اختلفت منها لحظة واحدة لم ألتقي بك. كان العالم كله يهيئنا لهذه اللحظة!
لم يتعلق بك قلبي وحده، كان كل شيء فيّ معلق بك، روحي وقلبي وعيني وأذني وفمي وجسدي. عيني تستملح ملامحك، وأذني تطرب لصوتك، وفمي يستلذ النطق باسمك، وجسدي يحنّ إليك، وروحي.. معلقة بك أبدًا!
أشعر كما لو أن حبلًا يمتد من كل خلية في جسدي نحوك، ولطالما تخيلت الجنة مكانًا أعيش فيه معك.

حينما صافحتك آخر مرة، مكثت فترة طويلة أتجنب مصافحة الناس، أردت أن تكون يدك آخر يد لامستها. يدك التي لو صافحتها بيسراي لكانت هي اليمنى!
وكنت أتوهم أنني إذا أكثرت النظر إليك، سيقتل الاعتياد دهشة جمالك في قلبي، لكنني كنت في كل مرة أنظر لك بعين الدهشة الأولى. ما زلتِ في عيني أجمل امرأة رأيتها، وكأنما اجتمعت على خلقك آلهة الأديان كلها.

بالأمس وبينما كنت أقلب ألبوم الصور، وقعت عيني على صورة لك، فخِرتُ كما لو أن صخرة ثقيلة ألقيت على ظهري. ولم تكن هذه الصخرة سوى ذكريات ألقتها على قلبي صورتك دفعة واحدة.
آمنت بأن عدو الإنسان ذاكرته.
لطالما حاولت عبثًا تجنب النظر إليها والتوقف عن التفكير فيك، ولكن كل شيء كان يذكرني بك، حتى الكلمات التي تحمل في بنيتها أحد حروف اسمك صارت تذكرني بك.

كنا كشجرتين تبدوان للناس منفصلتين، ولكن جذورها كانت تعانق بعضها، فلما شاءت أوراقنا أن تتعانق هي الأخرى وتعلن الحب للناس تنبهت الأقدار لنا فقطعتها.
وبعد أن كان الغياب ضيفًا زائراً، صار يتخذ فينا وطنه.

إن حالي معك أشبه برجل فقدت زوجته ذاكرتها، فهو ينظر إليها كحبيبته وزوجته، في حين لا تنظر له هي سوى كرجل لطيف يتودد لها. فلا أنا بالقادر على التخلي عنك لأنك في عيني زوجتي، ولا أنتِ بالقادرة على استعادة ذاكرتك وتقبلني كذلك.

إنني لا أستطيع تفسير ما حدث بيننا إلا عقوبة إلهية. ولم تكن خطيئتي التي استحققت بها عقوبة الله أنني أحببتك، ولكن لأنني أحببتك أكثر من الله فعاقبني بك.
لطالما أرّقتني فكرة اطلاع الله على ما في قلبي لهذا السبب.
كان بإمكان الله حينما رفع الحب عن قلبك أن يطفئ شمعته عني أيضًا فنغدو كأي اثنين جمع بينهما الحب يومًا ثم رحل، ولكن الآلهة شاءت أن تظل نار الحب مشتعلة في قلبي وحدي حتى أحترق بها.
ربما كانت نسبة ما حدث بيننا إلى الله محاولة مني لتبرئتك ولو باتهام الله نفسه، وإن كنت أختار أحيانًا أن لا أؤمن بالله لأنني أحبه ولا أريد أن أنسب له خيبتي الأكبر، فإيماني به سيحتّم علي أن أعتقد أنه على أقل تقدير سمح بذلك.
أظنها مفارقة أن يكفر المرء بالله لأنه يحبه ولا يريد أن يعتقد به نسبة الخيبة إليه.

وفي الوقت نفسه لا أريد نسبتها لك، فلطالما حاول قلبي أن يحتفظ بصورتك المقدسة ولو على حساب تدنيس الأشياء كلها.
حتى أخطاؤك -التي كان ينظر لها قلبي أحيانًا كأخطاء- وتقع الملامة في نفسي عليك بسببها، كنت أتعمد ارتكابها لا انتقامًا ومماثلة في الفعل كما قد يبدو للناس، ولكن حتى نكون في الخطأ سواء فلا يبقى للملامة مبرر.

إن أكثر ما كنت أخشاه معك أن لا أمنحك السعادة التي تبحثين عنها والتي تستحقينها، السعادة التي كنت أتقفى أسبابها لأبذلها لك وكتبت على نفسي أن أسعى خلفها ولو على سفوح القمر، فحينًا أصيب وحينًا أعجز وحينًا أخطئ، وحينما أخطئ فلأنما توهمت فيما أخطأت سعادتك.
فإن أبت سعادتك أن تكون إلا في غيابي.. فسأبتعد أيضًا!

لابلاندر

 

Advertisements

عودة لما قبل الوراء

في أحد أيام آذار، استيقظت وقد أدار الزمن عجلاته إلى الخلف، وكانت الأشجار تعانق بعضها غافلة عن الطفل الذي تسلل خلسةً من صفحة الغد.
صغيرًا كنتُ في الثامنة، غير أني ما زلتُ أحتفظ بذاكرة منتصف العشرين. لقد أعاد الزمن الأشياء كلها إلى الوراء وسقطت ذاكرتي.

في تلك الصفحة من الزمن رأيتك ثانيةً لأول مرة. ثانيةً، لأنني التقيتك في المستقبل. ولأول مرة، لأننا في عرف اللحظة التي عدنا إليها لم نلتقي سلفًا.

عرفتُك في اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك. صحيحٌ أن كثيرًا من ملامحك كانت قد اختلفت، إلا أن عينيك ما زالت تحتفظ بالسحر نفسه الذي أوقعني في حبك وأنتِ في العشرين من عمرك. وحينما سألتك عن اسمك، وتأكدتُ أنك تحملين روح الفتاة التي أحبها، كتمتُ عنك سرّي.
لا أدري إذا ما كنت قد أحببتكُ ثانية أم هو الحب نفسه الذي حملته في حقائب الذاكرة!

صفحة بيضاء كنتِ، كقطرة مطر سقطت للتوّ من غيمة ولم تصل بعدُ للأرض. هادئة كالطبيعة التي كنا نلهو فيها، ونقتطف من أزهارها، وعند كل وردة أسألك إذا ما كنتِ تعرفين اسمها.

متشبثًا بيدك، لم تكن ثمة وجهة تقود أقدامنا الصغيرة قبل أن يدفعنا سقوط المطر لنستظل تحت إحدى الأشجار الكثيفة التي لم تستطع أن تمنع عنا البلل.

وفي احتبائنا الصامت، كنت أتأمل صوت أنفاسك وهي تخرج من شفتيك اللتين أرجفهما برد المطر.
تلتفتين إليّ وحينما تبصرين خدي المبلل تسألينني لماذا أبكي، فأكذب عليك بأنه بلل المطر وأن عيني المحمرة قد أصابها الرمد.
كاتمًا عنك سري، هل أخبرك بأننا إذا كبرنا سنفترق؟!

  • أصل القصة رؤية في المنام، بتصرّف!

وردة العيد الحزينة

بالأمس، وبينما كنت أسير في أحد شوارع المدينة المكتظة بالناس على اختلاف ألوانهم وأصواتهم، استثارني من خلفي صوت فتاة غاضبة. لا أدري إن كان وصفها بالغاضبة دقيقًا، فنبرتها كانت خليطًا بين الغضب والعتب والحب.

تصرخ في وجه رجل على هاتفها، تعاتبه لأنه زار أخرى وأهدى لها وردةً في حين تجاهلها ولم يهد لها أي شيء.

لم تكن المسألة بالنسبة لها مجرد وردة يمكن لأي أحد أن يقتطفها من على أرصفة الشوارع المتوشحة بها في أيام العيد، بل في المعاني المقتطفة من جذورها.

كانت تردد بنبرة يخنقها البكاء “ما أعني لك شيء؟ تروح لغيري وتهدي لها وردة، وتتجاهلني، وش سويت لك حتى تعاملني كذا؟!”.

ثم انقطع صوتها، لأن دموعها التي كانت تغالبها قد تكاثرت عليها حتى زاحمت كلماتها.

لم أشأ أن ألتفت إليها، كان صوتها المتردد يكفي ليحرك مشاعر الشفقة نحوها، لا أريد أن أرى في العيد وجهاً حزينًا سُرقت من محياه باسم الحب فرحته. تمنيت لو استطعت مواساتها بأي شيء ولو بأن أدعوها لتتحدث إلي بكل ما في نفسها، لكنني أطرقت رأسي نحو هاتفي، وأكملت طريقي مع الناس وكأن شيئًا لم يكن.

.

 

إيمان عين ملحدة

إيمان عين ملحدة

بفضلها أصبحت عينه زائغة بين عيون النساء يفتش فيها. كان يستهدف الأماكن المزدحمة لأنها تحمل عيونًا أكثر يمكن التنقيب عنها.
لا، لم يكن سيئًا كما يمكن أن يوحي به تصرفه، ولم يكن يكذّب أيمان الوفاء التي كان يرتلها في محراب حبيبته. ولكنه كان يسعى إلى تجريدها من ألوهيتها في قلبه، ألوهية الكمال التي تستعبده.
كانت تؤرقه فكرة أن تمر فترة طويلة على علاقتهما وهي ما زالت تحتفظ في عينه بعرش الجمال الذي لم تستطع أي امرأة أخرى منافستها عليه. نبرة صوتها التي كانت تحمل سرًا تفتقده كل أغنيات العالم، أحاديثها وآراؤها وكل تفاصيلها التي صنعت منها آلهة في قلبه.
فكان يفتش في النساء عن من يمكن أن تحمل عينًا أجمل منها فتسقط من قلبه أسطورة فرادتها.
لم يكن يسعى ليستبدلها بمن هي أحسن منها، فإن كل النساء وإن بلغوا كمالات الحسن، ستفضلهم هي بأنها هي، وسيسقطون هم لأنهم ليسوا هي.
ولم يكن دافعه لإسقاط أسطورتها أن يسقط حبها من قلبه، ولكن توحيدَ قلبه الذي ينظر إليها كآلهة لا يشبهها أحد. يريد لحبه لها أن يكون بشريًا عاديًا، لا تستعبده فرادتها.
لم يتنبه لما يمكن أن تحمله له مهمته إن فشل فيها، فكانت أسطورتها تكتسب حقيقة أكبر كلما لاحقته الخيبة، ومملكة آلهته تتوسع في قلبه أكبر كلما اتسعت أعداد النساء التي صارت كل واحدة منهن دليلًا عليها.
أصبح كملحد يبحث في الأدلة عن إنكار وجود الله، فقادته الأدلة كلها إلى الله.
كان بإمكانه أن يتعلق بالجهل لو أنه اتكل على وهمه بأنها فريدة جنسها، لولا أنه بسعيه الآن قد تأكد منها!
وعبثًا كانت محاولاته كلها. لم يدرك وهو يفتش في عيون النساء، أن حبيبته كانت معيار الحسن التي يقيس بها الجمال. وأن النساء اللاتي نلن حظًا من الإعجاب عنده، إنما كان ذلك بحظهن من الشبه بها.
فكان من المحال عليه أن يعثر على من تفوقها في شيء إن كانت هي دستور القضاء، إن كانت هي الخصم والحكم!
حتى العيوب التي كان يخدع نفسه بأنه يبحث عنها كضرورة للكمال الإنساني، كانت هي عيوبها!
لم تكن الأفكار التي يبحث عنها سوى أفكارها، لم تكن الإجابات التي ينتظرها لأسئلته سوى إجاباتها هي.
لم يكن في الحقيقة يفتش في عيون النساء، بل كان يبحث عنها!

أيّنا أكثر حظًا: نحن أم آدم؟

 

أيّنا أكثر حظًا: نحن أم آدم؟

يرى عالم النفس والفيلسوف الألماني الأمريكي إيريك فروم في الحب الوسيلة لقهر الانفصال الذي يلازم الإنسان بعد انفصاله عن أمه ووعيه التدريجي بانفصاليته، باعتبار الحب الحل الكامل لهذه المشكلة التي يطلق عليها مشكلة الوجود الإنساني.

وينطلق من هذه المشكلة للحديث عن تجربة “الوقوع في الحب”، الانهيار الفجائي للحدود بين اثنين، حيث يصبح الغريب معروفًا للآخر بشكل حميمي، يذوب معه شعور الانفصال لدى الإنسان، فيشعر بنوع من الاتحاد مع الآخر، يقوى على قدر المفاجآت التي يكشفها له الآخر أو يكشفها هو للآخر.

يمكن أن ندعو هذه المرحلة مجازًا بـ”جنة الحب”. ولا عجب أن نسمع إذن عن فترة الخطوبة في الزواجات التقليدية على وجه الخصوص أنها أجمل فترات الارتباط. وقلت أننا يمكن أن ندعو هذه المرحلة بـ”جنة الحب” مجازًا، لأن أبرز خصائص الجنة هو الخلود، بينما المرحلة هذه بطبيعتها قصيرة العمر. فحتى لو استطعنا أن نجد في كل يوم جانبًا من حياتنا الشخصية للحديث عنه، آمالنا وقلقنا، بل وحتى غضبنا وإحباطنا، فإنها ستميل -كما يقول فروم- إلى النقصان أكثر بمرور الزمن.

وهنا تبدأ المشكلة، حينما نتوهم المشكلة في الشخص نفسه، دون اعتبار طبيعة العلاقات نفسها، ثم نبحث نتيجة لهذا عن الحب مع شخص آخر، أو مع غريب جديد كما يقول فروم، لتتكرر العملية نفسها، مع الوهم نفسه الذي سيصحبنا في كل مرة أن الحب الجديد سيكون مختلفًا عن كل السالفين، قبل أن يبدده الزمن مرة عاشرة. وما كانت هذه الأطوار لتشكل مشكلة حقيقية لو كان الوعي بها حاضرًا.

قلت مرة لأحد أصدقائي في ساعة إحباط: لا تقع في حب فتاة تنوي الزواج بها إلا حينما تكون مستعدًا للزواج، حتى لا تطول الأيام بينكما فيفتر الحب في قلبها ثم تفقد الرغبة المتقدة الأولى بك، فإنك إن لم تظفر بها في “جنة الحب” فلن تضمن الظفر بها عند الخروج منها.

وبعيدًا عن المغالطة في نصيحتي حينما وجهت له النصيحة بأن لا يقع في الحب كما لو كان الوقوع في الحب شيئًا نختاره، بل كما لو أن الإنسان “يقع” بوعيه، فإني تساءلت فيما لو كان بالفعل خيرًا لنا أن نهبط من تلك الجنة قبل أن يجرّد الزمن مشاعر الحب الأولى. إذا ما سلّمنا بأن ذلك الهبوط قدر محتم كقدر أبينا آدم.

في اعتقادي أنه خيرٌ لنا أن نعيش حياة الرتابة بعد الهبوط من جنة الحب، على أن ندخلها بوهم صورة لن تستمر أبدًا. لقد كنا أكثر حظا من أبينا آدم حينما وُهبنا الحياة بعد الهبوط من الجنة، فعرفناها أول ما عرفناها ببؤسها وفنائها ولم نعشها بوهم النعيم والخلود.

غير أن ما سبق يمكن أن يبعث لنا رسالة أخرى، وهي أن لا نتمسك بأؤلئك الذين يحبوننا على نحو أكثر قدر تمسكنا بالذين يستطيعون أن يحبوننا على نحو أطول.
من السهل جدًا أن نعثر على من يمكن أن يحملوا لنا مشاعر حب عظيمة للحظة، ولكن من الصعب جدًا أن نعثر على من يستطيعون أن يحملوا لنا هذه المشاعر دائمًا، أولئك الذين رفضوا أن يغويهم الشيطان فلم يخرجوا من الجنة.

 

اخرجي في موعد مع رجل يحبّ الكتابة

اخرجي في موعد مع رجل يحبّ الكتابة

الكاتب: مجهول الهوية
ترجمة: سامي البطاطي

 

اخرجي في موعد مع رجل يحب الكتابة. اخرجي في موعد مع رجل يحفظ سبعين كلمة في وصف عينك وحدها، ولا يعجزه أن يجد كلمة للتعبير عن أدق مشاعره نحوك، وإن لم يجد فسيخلق من أجلك معجمًا آخر يسعك.

اخرجي في موعد مع رجل سيزاحم طاولة تسريحتك بكتبه. ستغضبين منه، ليعتذر إليك، ثم تتفاجئي في الصباح التالي بالكتب وقد عادت لمزاحمتك على طاولتك مجددًا. حسنًا، يجب أن تعتادي على ذلك.

لا تغاري عليه حينما يعود إلى المنزل في كل مرة مصطحبًا كتبه معه، ولا تتخذي منها ضرائر لك، ستكونين بالنسبة له دائمًا كتابه الأجمل.

اخرجي في موعد مع رجل لن تخشي معه من أن لا يفهمك، فقد قرأ “كبرياء وتحامل” و”جين إير” و”مدام بوفاري” و”آنا كارنينا” و”ذهب مع الريح” و”المعلم ومارجريتا” و”الحب في زمن الكوليرا” و”شيطنات الطفلة الخبيثة”. سيفهمك بكل حاجاتك بل وحتى نزواتك. سيقرؤك وإن لم تنطقي بما في نفسك. وسيكتب بالحياة معك روايته الأولى التي سيجمع في حبكتها كل جنون الأعمال التي قرأها.

سيتعلم “لغات الحب الخمس”، ويتمرن على “فن الحب”، ويدرس “النساء من الزهرة”، ثم يسرد لك خمسين تعريفًا قرأها للحب، قبل أن يطبع على شفتيك تعريفه هو للحب.

لا تخشي من أن ينصرف عنك إلى كتبه، فسوف يؤدبه كافكا حينما يقرأ له أن “الكتاب لا يستطيع أن يعوض العالم، وأن لكل شيء في الحياة معناه ووظيفته التي لا يمكن أن تُشغل بالكامل من قبل شيء آخر”. ولكني أود منك أن تحتفظي بأوراقه ورسائله حينما يصل إلى كافكا، خشية أن يتأثر بوصيته في حرق أعماله كلها.

وبما أننا جئنا على ذكر حرق الكتب، سأهمس لك بسر ولا تسألي عن السبب: توجهي إلى مكتبته، وإن وجدتِ فيها عملًا لشوبنهاور فأحرقيه.

اخرجي في موعد مع رجل لن تقلقك رتابة الحياة معه، لأنه سيحمل إليك في كل ليلة قصة يحكيها أو قصيدة يحفظها أو فكرة يناقشها معك. سيسافر بك من روسيا إلى برلين، إلى باريس، إلى لندن، إلى مدريد، إلى القارة اللاتينية، إلى أمريكا الشمالية، إلى الماضي، إلى المستقبل، إلى الممكن وإلى المستحيل.

قد لا تعجبك كل نكاته، كأغلب نكات المثقفين، ولكنك إن لم تضحكي للدعابة التي تحملها، فستضحكين للسخف الذي تحمله، وهذا هو المهم، أن تضحكي.

قد تجدينه يومًا وقد أطبق الحزن على وجهه كما لو أن عزيزًا عليه قد رحل، ثم تكتشفي أن الذي رحل هو بطل قضى الروائي بقتله في آخر القصة. لا تقلقي، فالأمر طبيعي.

في الحقيقة، سيكون من الجيد لو تجاوزتِ عن كثير من التصرفات التي قد تبدو غريبة عليك لأول مرة. قد تجدينه مثلًا يتأمل في سرتك. ومرة أخرى لا تقلقي، فغالب الظن أنه انتهى لتوّه من “حفلة التفاهة”. تستطيعين أن تلعني كونديرا.

ولا تستريبي منه حينما يمتدح رائحة جسدك حتى وإن لم تتعطري، متأثرًا بـ”غرينوي”. الأهم أن لا يبلغ تأثره حد الرغبة في قتلك كما فعل.

هذا الجنون الذي قد يبدو عليه أحيانًا هو ما سيجعل حياتك معه مختلفة تحسدك عليها النساء، وسيخلع عنها رداء الرتابة. سيحمل لك التاريخ والرجال بكل تناقضاتهم، فمرة يكون حالمًا كيخوتيًا وأخرى سوداويًا كافكويًا.

اخرجي في موعد مع رجل علمته القراءة كيف ينصت إليك، وعلمته الكتابة كيف يتحدث إليك.

ولا تظني من لحن القول أن يدعوك لمشاركته القراءة وهو يستمع إلى معزوفة لبيتهوفن أو يصطحبك إلى صالات السينما. فالقراءة عنده هي قراءة الجمال، حتى ذلك الذي يسكن عينيك.

اخرجي في موعد مع رجل لن يكون متحجّرًا، فقد قرأ في كل فكرة ونقيضها، واستفزته الكتب جيدًا. سيستمع إليك لأنه تعود في الكتب أن يستمع من الأحياء والأموات وحتى من الذين يختلف معهم، لأنه يؤمن بأن كل فكرة قد تحمل جزءًا من الحقيقة وإن خفي، وسيبحث عنها عندك كما يبحث عنها بين صفحات الكتب.

اخرجي في موعد مع رجل لن يقلقك بفراغه ولن يستأثر باهتماماتك ووقتك، ففي حضورك ستكونين كتابه الأول، وعند رغبتك في الانصراف إلى اهتماماتك وحدك، سيعود إلى كتبه.

اخرجي في موعد مع رجل لن تبذلي جهدًا في الهدية التي ستختارينها له في يوم ميلاده أو في ذكرى زواجكما، فكتاب واحد سيكفيه، ولكن فتشي في مكتبته أولًا حتى لا تصبح فيها من هديتك نسختان.

اخرجي في موعد مع رجل يستطيع أن يخلدك برسائله إلى جانب أناييس وفييرا وإلزا وميلينا، سيرسمك بالحرف، وإن لم يملك ريشة فان جوخ أو دافنشي.

اخرجي في موعد مع رجل سيحبك أكثر كلما كبرتِ، لأنه يؤمن بأن أرواح النصوص -يا نصه الأعظم- خالدة، ولا تزيدها الأيام إلا قداسة.

اخرجي في موعد مع رجل يستطيع أن يقول لك “أحبك” بمئة طريقة مختلفة.

الأحوال تخلقنا

صدقني يا عزيزي، الحياة لا تقف على من توهمت سعادتك معها وحدها. لم يكمل من النساء سوى أربع وكلهن قد رحلن، وما عداهن فيشتركن في النقص، وليس من شيء عند إحداهن إلا وفي جنسها من تشاركها فيه.
لا أؤمن بالحب الأوحد. الناس يشتركون في محاسنهم كما يشتركون في عيوبهم. وليس بين أيدينا لوح محفوظ حتى نحكم على أن مقادير سعادتنا قد كُتبت لنعيشها مع أحد دون غيره.
إن خلف كل إنسان تعرفه آخر لا تعرفه، ولهذا الذي لا تعرفه أناسي لا تعرفهم، يختلفون باختلاف أحوالهم. في داخل كل واحد منا إنسان بحسب حاله، أباً أو ابناً أو زوجاً أو صديقاً أو زميلاً في العمل. وقد تتباين إنسانيته بينها حد التناقض. وقد يعجبك المرء في حال دون حال، ولكل إنسان من هؤلاء في داخلك مفاتيح لا يملكها كل أحد، وإن من المفاتيح ما لم يكتشفها المرء نفسه في داخله، سيدركها حينما تضعه الأقدار في أحوال أخرى.
رابطة الصداقة ليست كرابطة الزواج، ومشاكل الأصدقاء ليست كمشاكل الأزواج. إننا لا نعرف عن الآخرين سوى وجه واحد أو إنسان واحد، سيموت عند تبدل الحال لنقابل بعدها إنساناً آخر لا يشبه الأول في شيء سوى الصورة. إنسان آخر لم يكتشفه حتى أصدقاؤه وأهله ولا حتى هو في نفسه. الأحوال يا صاحبي تخلقنا من جديد، ووحده الله من يعرفنا في كل أحوالنا.

بين نواة ونخلة

بين نواة ونخلة

أكتب لكم وأنا مستلقٍ على مسطحات خضراء، حيث نسيم بدايات الشتاء يداعب أجسادنا.
في يدي نواة تمرة، ومن فوقي نخلة باسقة، وما بين النواة في يدي والنخلة فوق رأسي، أخذتني التأملات محلقة بروحي إلى السماء.
وجال بي الخاطر وأنا أقلب نطفة النخلة في يدي، كيف لنواة صغيرة أن تخرج منها النخلة التي أراها الآن؟!
تأملت فيها مرة أخرى، ماذا تحمل هذه القطعة الصغيرة حتى تخلق منها النخلة بجذعها وسعفها.
حاولت تهشيمها لأنظر فيها، فكانت صماء لا أثر للحياة فيها.
يئست من النواة، وعدت مرة أخرى للنخلة أتأملها. في جريدها الذي يستعمله الناس في صناعة أثاثهم، وليفها الذي منه يصنعون حبالهم. أتأمل في سعفها الذي يصنع منه الناس حقائبهم، في جذعها الذي منه مادة حطبهم ونجارتهم، في طلعها وبلحها وتمرها.
وكل ذلك .. كل ذلك.. كان من تلك النواة الصغيرة في كفي!
كيف لقطعة صغيرة أن تحمل كل تلك الاختلافات والعناصر!
وعلى الأرض بذور أخرى، ومن كل بذرة تُخلق شجرة مختلفة، بأوراق مختلفة، بثمار مختلفة، فمنها الحامض ومنها الحلو، ومنها الأخضر ومنها الأصفر ومنها الأحمر، وكل ذلك كان من بذرة صغيرة!
إنني لم أكتشف وأنا أتأمل تحت هذه النخلة شيئاً جديداً، ولست هنا لأحدثكم بأن من البذور تخلق الأشجار وتخرج النخلة. ما أدعوكم له هو أن تتأملوا فيها، أن تتأملوا فيما اعتدتم عليه وما هو بين أيديكم وأمام أعينكم.
هي صورة ربانية حية لمن تأملها، حجبتنا عنها حضارة المادة الحديثة، ولم نعد نرتبط بمظاهر الطبيعة في صورة مباشرة كما كان السابقون من قبلنا، حينما كان اعتمادهم عليها وكانت لهم هي المركب والمأكل والمسكن والمبلس.
فما عرفوا الإلحاد كما عرفه الناس اليوم لأن مظاهر الطبيعة من حولهم كانت كافية لتدلهم على خالقهم. فكان مما قالوا: “الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير!”
لكن الناس اليوم ما عادت تستظل السماء ولا سعف النخل، إنما صاروا يستظلون الإسمنت الذي يصنعونه، وما عادت التربة أرضهم إنما صارت أرضهم قطع”السيراميك”، وما عادوا يجدون المشقة في البحار لاستخراج حاجاتهم بل صارت بين أيديهم، الأسماك في أسواقهم، والمياه تجري صافية من أنابيبهم، لا تمتد بهم عقولهم إلى مصادر حاجاتهم الأولى، إنما وقفت أنظارهم عند نقطتها الأخيرة. ما عاد الناس يتأملون في الأنعام عند ركوبها بعد أن صنعوا مراكبهم بحديدهم. ولا يحتاجون لتربية الأنعام كي يذبحوها ويأكلوها بل صارت جاهزة في ثلاجاتهم.
ما عادوا يرون في المطر سقاء، ولا في الثمر دواء.
غفل الإنسان عن معجزة الطبيعة من حوله ولم يعد منبهراً إلا بما صنعته يده متناسياً مادة صنعته الأولى.
ولقد عكفت في فترة من حياتي أبحث في سؤالات الوجود لأطفئ الشك الإبراهيمي ويطمئن قلبي.
وتعلمت المنطق وقرأت في الفلسفة، وجمعت أدلة الوجود العقلية، سواءً الحق منها والباطل، وجردت الكتب في مسائل قدم العالم وتسلسل الحوادث حتى اطمأن عقلي!
لكن ورب السماء والأرض، لَيقين التأمل في خلق الله أبرد على قلبي وأثبت من إجابات العقل. ولو لم يتأمل الإنسان من الطبيعة إلا في نفسه هو لوجد إجابات السماء!
ومهما حاول تفسيرها المفسرون وتنظيرها المنظرون وضربوا لها الافتراضات والاحتمالات، سيجد إجابة السماء في قلبه أقوى من إجابات الأرض.
لقد أدركت إجابة السؤال الذي كان يعتريني طويلاً، عن سر غياب الطريقة الفلسفية في إجابة سؤال الوجود في القرآن، ولِمَ كان القرآن يحيل العقل دائماً إلى مظاهر الطبيعة، فتارة يدعوه ليتأمل في السماء والأرض ومرة في حياة النبات، وتارة يدعوه ليتأمل في نفسه وفي مادة خلقه، وأخرى في الفلك والنجوم، في الماء والنار، في الإبل والأنعام.
إن الإجابة أقرب مما نظن، والمنطق أمام أعينكم وليس في جنبات الكتب. تأملوا في ما حولكم، ولا تدعوا حضارة المادة الحديثة تحجب معجزة الخلق من أمامكم. تأملوا في النواة والنخلة، والبذرة والشجرة، وأبصروا في أنفسكم ولا تكتفوا بالنظر (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) فكل الناس ينظرون، وقليل من يبصرون! 

عوالم متوازية

 

تأسرني كثيراً قدرة بعض الروايات على إحداث أثر في نفسك لا يمكن أن يزول بمجرد إغلاقك للرواية وابتعادك عن صفحاتها، قدرتها على أن تخلق في نفسك عالماً آخر لا يختلف كثيراً في تأثيره عن عالمك الواقعي من حولك. تأثرك بالأحداث المؤلمة، تعاطفك مع الصور المؤسفة، خوفك على البطل، حزنك في المأساة، فرحك بالنجاة، قلقك على القادم. حبك لشخصية وبغضك لأخرى. تغلقها فتظل صورها في ذهنك، تقلبها تأملاً بين الـ”لو” والأمنيات، وشيء من الحسرات.

تحاول أن تخرج من العالم الوهمي الذي رسمه الروائي في نفسك، أن تطرد صورها من ذهنك، أن تصحو من آثارها، فتجد نفسك أمامها عاجزاً، ما زالت شخصياتها تسكنك كما سكنتك شخصيات عالمك الواقعي، ومحال أن يُمحون من ذاكرتك.

ربما يخف أثرها في نفسك، تتناسى بعد زمن بعض الصور، تماماً كما نتعامل مع أحداثنا الواقعية بأشخاصها، غير أنها محالٌ أن تمحى من وجودك.

لربما شعرت لحظتها في نفسك -وأتفهم مشاعرك هذه جيداً- بشيء من النقمة على الراوي، ما الذي دفعه ليكتبها بهذه الصورة، لو أنه قام بكذا، ولو أنه جعلها كذا، ولو أنه فعل كذا وكذا.

وهل هذه الـ”لو” يا سادة من عمل الشيطان فأنتهي عنها؟ وهل أحداث عالم الرواية مخلوقة بمشيئة الله، وما مشيئة الكاتب إلا تبع لمشيئته فأرضى بقضائه وقدره فيها كما أرضى به في عالمنا الواقعي. نعم.. أظن ذلك، فهو رب العالمين، والحمدلله رب العالمين.

 

 

 

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑