بين نواة ونخلة

بين نواة ونخلة

أكتب لكم وأنا مستلقٍ على مسطحات خضراء، حيث نسيم بدايات الشتاء يداعب أجسادنا.
في يدي نواة تمرة، ومن فوقي نخلة باسقة، وما بين النواة في يدي والنخلة فوق رأسي، أخذتني التأملات محلقة بروحي إلى السماء.
وجال بي الخاطر وأنا أقلب نطفة النخلة في يدي، كيف لنواة صغيرة أن تخرج منها النخلة التي أراها الآن؟!
تأملت فيها مرة أخرى، ماذا تحمل هذه القطعة الصغيرة حتى تخلق منها النخلة بجذعها وسعفها.
حاولت تهشيمها لأنظر فيها، فكانت صماء لا أثر للحياة فيها.
يئست من النواة، وعدت مرة أخرى للنخلة أتأملها. في جريدها الذي يستعمله الناس في صناعة أثاثهم، وليفها الذي منه يصنعون حبالهم. أتأمل في سعفها الذي يصنع منه الناس حقائبهم، في جذعها الذي منه مادة حطبهم ونجارتهم، في طلعها وبلحها وتمرها.
وكل ذلك .. كل ذلك.. كان من تلك النواة الصغيرة في كفي!
كيف لقطعة صغيرة أن تحمل كل تلك الاختلافات والعناصر!
وعلى الأرض بذور أخرى، ومن كل بذرة تُخلق شجرة مختلفة، بأوراق مختلفة، بثمار مختلفة، فمنها الحامض ومنها الحلو، ومنها الأخضر ومنها الأصفر ومنها الأحمر، وكل ذلك كان من بذرة صغيرة!
إنني لم أكتشف وأنا أتأمل تحت هذه النخلة شيئاً جديداً، ولست هنا لأحدثكم بأن من البذور تخلق الأشجار وتخرج النخلة. ما أدعوكم له هو أن تتأملوا فيها، أن تتأملوا فيما اعتدتم عليه وما هو بين أيديكم وأمام أعينكم.
هي صورة ربانية حية لمن تأملها، حجبتنا عنها حضارة المادة الحديثة، ولم نعد نرتبط بمظاهر الطبيعة في صورة مباشرة كما كان السابقون من قبلنا، حينما كان اعتمادهم عليها وكانت لهم هي المركب والمأكل والمسكن والمبلس.
فما عرفوا الإلحاد كما عرفه الناس اليوم لأن مظاهر الطبيعة من حولهم كانت كافية لتدلهم على خالقهم. فكان مما قالوا: “الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير!”
لكن الناس اليوم ما عادت تستظل السماء ولا سعف النخل، إنما صاروا يستظلون الإسمنت الذي يصنعونه، وما عادت التربة أرضهم إنما صارت أرضهم قطع”السيراميك”، وما عادوا يجدون المشقة في البحار لاستخراج حاجاتهم بل صارت بين أيديهم، الأسماك في أسواقهم، والمياه تجري صافية من أنابيبهم، لا تمتد بهم عقولهم إلى مصادر حاجاتهم الأولى، إنما وقفت أنظارهم عند نقطتها الأخيرة. ما عاد الناس يتأملون في الأنعام عند ركوبها بعد أن صنعوا مراكبهم بحديدهم. ولا يحتاجون لتربية الأنعام كي يذبحوها ويأكلوها بل صارت جاهزة في ثلاجاتهم.
ما عادوا يرون في المطر سقاء، ولا في الثمر دواء.
غفل الإنسان عن معجزة الطبيعة من حوله ولم يعد منبهراً إلا بما صنعته يده متناسياً مادة صنعته الأولى.
ولقد عكفت في فترة من حياتي أبحث في سؤالات الوجود لأطفئ الشك الإبراهيمي ويطمئن قلبي.
وتعلمت المنطق وقرأت في الفلسفة، وجمعت أدلة الوجود العقلية، سواءً الحق منها والباطل، وجردت الكتب في مسائل قدم العالم وتسلسل الحوادث حتى اطمأن عقلي!
لكن ورب السماء والأرض، لَيقين التأمل في خلق الله أبرد على قلبي وأثبت من إجابات العقل. ولو لم يتأمل الإنسان من الطبيعة إلا في نفسه هو لوجد إجابات السماء!
ومهما حاول تفسيرها المفسرون وتنظيرها المنظرون وضربوا لها الافتراضات والاحتمالات، سيجد إجابة السماء في قلبه أقوى من إجابات الأرض.
لقد أدركت إجابة السؤال الذي كان يعتريني طويلاً، عن سر غياب الطريقة الفلسفية في إجابة سؤال الوجود في القرآن، ولِمَ كان القرآن يحيل العقل دائماً إلى مظاهر الطبيعة، فتارة يدعوه ليتأمل في السماء والأرض ومرة في حياة النبات، وتارة يدعوه ليتأمل في نفسه وفي مادة خلقه، وأخرى في الفلك والنجوم، في الماء والنار، في الإبل والأنعام.
إن الإجابة أقرب مما نظن، والمنطق أمام أعينكم وليس في جنبات الكتب. تأملوا في ما حولكم، ولا تدعوا حضارة المادة الحديثة تحجب معجزة الخلق من أمامكم. تأملوا في النواة والنخلة، والبذرة والشجرة، وأبصروا في أنفسكم ولا تكتفوا بالنظر (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) فكل الناس ينظرون، وقليل من يبصرون! 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: