الفصل الأول

 

الفصل الأول

 

كنت أطمح في صغري بأن أصبح روائيًا. كانت فكرة أن يُصبح العالم طوعًا لإرادتك تستهويني جدًا. ظلت الفكرة تكبر معي باختلاف الروائيين الذين كنت أسعى لمحاكاتهم.

لم يكن يتطلب الأمر مني لموت أي شخصية سوى أن أكتب بأنها ماتت. أو حتى تعذيبها قبل قتلها إذا ما كانت شخصية أكرهها، حتى وإن كنت أنا من خلقها لتكون بهذه الصورة التي كرهتها عليه.

كنت أتصور حجرتي التي أخلو فيها لكتابة روايتي بمثابة الغرفة التي مكث فيها الله حينما كتب روايته، وكلما أمسكت قلمي وشرعت في الكتابة شعرت بأنني تبوأت عرشه.

كنت أحيانًا أفهم كيف كان يفكر حينما أراد أن يخلقنا. أعترف بأنها مهمة صعبة. فحتى وإن كانت فكرة عالم صالح تخلو منه الحروب والآثام مثالية، ولكنها كانت في عيني مملة. ولا أظن أحدًا سيهتم بقراءتها لو فعلت. ومن هنا اخترت بأن أخلق في عالمي الخطيئة وأن أعاقب عليها.

مصير كل المتحابين بيدي. إن شئتُ قتلتهم بالحب كما فعل شكسبير، وإن شئت توجتهم بالزواج كما… حسنًا، أعترف بأنني لا أستحضر أي عمل كانت نهايته كما نرغب كلنا بأن تنتهي قصص الحب عليه.

لا أدري لماذا يعمد الروائيون إلى خلق مزيد من الكآبة في العالم وكأنما العالم لا تكفيه الكآبة التي يحملها. ولكنني سأعذرهم هذه المرة. سأعذرهم بصفتي روائيًا -الصفة التي قلدتُها للتو نفسي-، وإن كنت سألعنهم دومًا بصفتي قارئًا. فقد وجدتُ نفسي حينما شرعت في كتابة روايتي مضطرًا لمثل نهاياتهم إذا ما أردت لقصتي أن تحيى، فالحزن أكثر خلودًا في نفوس الناس من الفرح.

أعلم أنكم تلعنوني الآن، مرة لأنني اخترت هذه النهاية، ومرة أخرى لأنني أحرقتها عليكم. ولكنني سأطمئنكم بأنني قمت بتغييرها، ولن أخبركم -لحسن ظنكم- بما صارت عليه، ليس لأنني لا أريد ذلك، ولكن لأنني مثلكم لا أعرفها حتى اللحظة، أو أتمنى أن لا أعرفها!

فبعد انتهائي من كتابة الفصول الخمسة الأولى، حدث أن وقع لي ما كتبته في فصلها الأول. لم أعر لهذه المصادفة أدنى اهتمام، حتى توالت علي أحداث الفصول الأخرى!

توقفت عن الكتابة، فقد كنت أقود بطلي نحو حتفه دون أن يعلم، وإذا ما كانت هذه اللعنة حقيقة فأنا أقود نفسي أيضًا نحو حتفها.

ولوهلة فكرت بأن أغير السيناريو كاملًا، فما دامت صحف الأقدار تنسخ من روايتي، فلم لا أكتب لنفسي نهاية جميلة تسير إليها، وليذهب القراء، نعم أنتم، إلى الجحيم.

كتبت الفصل السادس، على غير مسودته الأصلية، ولكن أحداثها هذه المرة لم تقع. ارتحت قليلًا، هل كان ما جرى لي في الفصول الخمسة مصادفة لا أكثر؟ فكرت بأن أعود للسيناريو الأول، ولكن عاودتني المخاوف مرة أخرى.

فكرت بأن أتخلى عن كتابة الرواية قبل أن تراودني فكرة أخرى، بأن أقلب الطاولة على الأقدار، فلا أدعها تنسخ مني ولكن أنسخ أنا من صحائفها فأدوّن كل ما يجري لي في هذه الرواية.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: