سيدة المسيح

 

سيدة المسيح

خلع سترة الحب الملطخة بالخيبة، استنفدت منه الحرب كل ما تبقى في روحه من حياة. لم يكن يعلم أن معارك الحب هي الأخرى لا يمكن حتى للمنتصر فيها أن يخرج منها سليمًا. كل أنبيائه قد قُتلوا، فكفر بأفروديت وإيروس وفينوس وكل آلهة الحب.
يتحسس من ذكرها، تصيبه نوبة الصدمة كلما قرع أذنه اسمها.
اعتصرت الحرب قلبه حتى جف بعدما كانت المعاني تستمد حياتها منه.
لم تعد خطرات النساء تعني له ما كانت تصنع به قبلها، حجرًا أمام أسنة الملاطفات، حطبًا تحترق دون الوصول إليه الرغبات.
كل الوجوه التي كانت تمر عليه لم تلفت انتباهه، لقد فقد المادة التي كانت تمده بالشعور نحوها. يستثقل خطواته في عجلة الزمن. همّ مرة بأن يتخلص من جسده ليلحقه الموت كما فعلت الحرب بروحه.
وهناك.. هناك كانت تقف وحدها.
أحس برعشة تسري في جسده، برائحة الحرب التي لا يخطؤها قلبه، ارتعد خوفًا. ولكن خوفه من شعوره بالخوف كان أشد.
كان العلامة الأولى على أن روحه لم تلفظ أنفاسها كلها، وأنها ما زالت تشعر وتخاف!
هو الذي مذ عاد من وغى الحرب لم يهب شيئًا ولم يخشَ على نفسه من أحد، فلماذا أحس الآن بالخوف منها دون غيرها وهو لا يعرفها؟
لقد كان متأكدًا من أن روحه قد فارقت الحياة منذ مدة، فمن هذه التي استطاعت بمسحتها أن تعيد لروحه الحياة؟

Advertisements

انقطاعات الباث

 

انقطاعات الباث

ونحن نحتضر في الأيام الأخيرة من الباث، تذكرت رواية ساراماغو البديعة انقطاعات الموت، حينما استعار الموت من الفانتازيا ليجيب عن تساؤلين: كيف ستكون الحياة لو انقطع الموت عنا؟ وهل سيكون من الأفضل لو عرفنا متى سنموت؟

الجزء الثاني هو ما استعادته ذاكرتي عند إعلان الباث إغلاقه بعد شهر، ليقضي بوفاتنا جميعًا في هذا العالم. لكن الحالتين ليستا متشابهتين تمامًا، ففي انقطاعات الموت، لم يكن الموت مقضيًا على الجميع في الوقت نفسه كما هو الحال في موت الباث. الموت في الباث أشبه بالقيامة، حيث تنقطع الحياة عن كل الموجودات دفعة واحدة، لا أحد يبقى، كل العالم سيفنى كما لو لم يكن، في حين كان الموت يتخطف الأفراد في عالم ساراماغو.

تساءلت وأنا أقارن بين الصورتين: هل كان الحزن الذي ينتاب الإنسان في عالم ساراماغو حينما يعلم بوفاته قبلها، لأنه سيغادر الوجود، أم لأنه وحده من سيغادر الوجود؟ لربما كانت فكرة القيامة أو فكرة الموت الباثي حيث يرحل الجميع معه إلى منفى العدم أهون عليه من أن يُنفى وحده عن عالمه في حين يستمر الآخرون فيه.

في اعتقادي أن ما يحدد هوية الوجود عندنا هو بقاء الآخرين لا بقاؤنا. وقد لا يستسيغ الإنسان فكرة الوجود في ظل رحيل الآخرين كما لا يستسيغ فكرة الرحيل في ظل بقائهم. الموت هو انفصالنا عن الآخرين. وقد يبلغ بالإنسان بعد رحيل الذين كانوا يشكلون العالم والوجود بالنسبة له حدًا يشعر معه أنه الميت وأن الذين رحلوا عنه ينعمون بالحياة في عالمهم الآخر، فيتمنى الرحيل معهم إلى عالمهم.

 

رسالة إلى آغليا

 

رسالة إلى آغليا

الكاتب: Laplander
ترجمة: سامي البطاطي

إلى حبيبتي كما كنا، و.. -سأكذب إن قلت- صديقتي كما أصبحنا عليه، فالحب عزيزٌ عليه إن دخل قلبًا أن يخرج منه وحده. وما إن يرتقي المرء في سلّم الحب حتى يلقي بالسلالم الأولى فلا يتمكن بعدها من العودة إلا برمي نفسه، وعلى قدر صعود المرء في سلم الحب يكون وقع السقوط أشد.
كنت منذ صغري أخشى الارتفاعات، خصوصًا تلك التي ليس بينها وبين أن تسقط سوى أن يدفعك أحدهم نحوها، ولكن حبك كان أشد الارتفاعات التي خشيت السقوط منها.

يقول لي أصدقائي أن الزمن كفيل بمعالجة كل الخيبات، فما باله قد تقاعد عن أداء مهمته حينما احتجت إليه.
ثمة أشياء لا يمكن لنا أن نعود بعدها كما كنا قبلها.
أنتِ الوجود الذي ارتديته بغير اختياري، ووحده الموت طريق الخلاص منه.
صحيحٌ أن أفكار الانتحار كانت تقتلها نزعة التمسك بالبقاء التي ابتلي الإنسان بها ولو كان يعلم يقينًا بتعاسة حاضره ومستقبله، لكن الموت لم يعد بالنسبة لي فكرة مخيفة أو سيئة جدًا.

لقد عرفت منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك أن حريتي قد انتهت عندها.
وتصالحت لأجل تلك اللحظة مع كل الأقدار الماضية لأنها من عبّدت طريق لقائنا، وربما لو اختلفت منها لحظة واحدة لم ألتقي بك. كان العالم كله يهيئنا لهذه اللحظة!
لم يتعلق بك قلبي وحده، كان كل شيء فيّ معلق بك، روحي وقلبي وعيني وأذني وفمي وجسدي. عيني تستملح ملامحك، وأذني تطرب لصوتك، وفمي يستلذ النطق باسمك، وجسدي يحنّ إليك، وروحي.. معلقة بك أبدًا!
أشعر كما لو أن حبلًا يمتد من كل خلية في جسدي نحوك، ولطالما تخيلت الجنة مكانًا أعيش فيه معك.

حينما صافحتك آخر مرة، مكثت فترة طويلة أتجنب مصافحة الناس، أردت أن تكون يدك آخر يد لامستها. يدك التي لو صافحتها بيسراي لكانت هي اليمنى!
وكنت أتوهم أنني إذا أكثرت النظر إليك، سيقتل الاعتياد دهشة جمالك في قلبي، لكنني كنت في كل مرة أنظر لك بعين الدهشة الأولى. ما زلتِ في عيني أجمل امرأة رأيتها، وكأنما اجتمعت على خلقك آلهة الأديان كلها.

بالأمس وبينما كنت أقلب ألبوم الصور، وقعت عيني على صورة لك، فخِرتُ كما لو أن صخرة ثقيلة ألقيت على ظهري. ولم تكن هذه الصخرة سوى ذكريات ألقتها على قلبي صورتك دفعة واحدة.
آمنت بأن عدو الإنسان ذاكرته.
لطالما حاولت عبثًا تجنب النظر إليها والتوقف عن التفكير فيك، ولكن كل شيء كان يذكرني بك، حتى الكلمات التي تحمل في بنيتها أحد حروف اسمك صارت تذكرني بك.

كنا كشجرتين تبدوان للناس منفصلتين، ولكن جذورها كانت تعانق بعضها، فلما شاءت أوراقنا أن تتعانق هي الأخرى وتعلن الحب للناس تنبهت الأقدار لنا فقطعتها.
وبعد أن كان الغياب ضيفًا زائراً، صار يتخذ فينا وطنه.

إن حالي معك أشبه برجل فقدت زوجته ذاكرتها، فهو ينظر إليها كحبيبته وزوجته، في حين لا تنظر له هي سوى كرجل لطيف يتودد لها. فلا أنا بالقادر على التخلي عنك لأنك في عيني زوجتي، ولا أنتِ بالقادرة على استعادة ذاكرتك وتقبلني كذلك.

إنني لا أستطيع تفسير ما حدث بيننا إلا عقوبة إلهية. ولم تكن خطيئتي التي استحققت بها عقوبة الله أنني أحببتك، ولكن لأنني أحببتك أكثر من الله فعاقبني بك.
لطالما أرّقتني فكرة اطلاع الله على ما في قلبي لهذا السبب.
كان بإمكان الله حينما رفع الحب عن قلبك أن يطفئ شمعته عني أيضًا فنغدو كأي اثنين جمع بينهما الحب يومًا ثم رحل، ولكن الآلهة شاءت أن تظل نار الحب مشتعلة في قلبي وحدي حتى أحترق بها.
ربما كانت نسبة ما حدث بيننا إلى الله محاولة مني لتبرئتك ولو باتهام الله نفسه، وإن كنت أختار أحيانًا أن لا أؤمن بالله لأنني أحبه ولا أريد أن أنسب له خيبتي الأكبر، فإيماني به سيحتّم علي أن أعتقد أنه على أقل تقدير سمح بذلك.
أظنها مفارقة أن يكفر المرء بالله لأنه يحبه ولا يريد أن يعتقد به نسبة الخيبة إليه.

وفي الوقت نفسه لا أريد نسبتها لك، فلطالما حاول قلبي أن يحتفظ بصورتك المقدسة ولو على حساب تدنيس الأشياء كلها.
حتى أخطاؤك -التي كان ينظر لها قلبي أحيانًا كأخطاء- وتقع الملامة في نفسي عليك بسببها، كنت أتعمد ارتكابها لا انتقامًا ومماثلة في الفعل كما قد يبدو للناس، ولكن حتى نكون في الخطأ سواء فلا يبقى للملامة مبرر.

إن أكثر ما كنت أخشاه معك أن لا أمنحك السعادة التي تبحثين عنها والتي تستحقينها، السعادة التي كنت أتقفى أسبابها لأبذلها لك وكتبت على نفسي أن أسعى خلفها ولو على سفوح القمر، فحينًا أصيب وحينًا أعجز وحينًا أخطئ، وحينما أخطئ فلأنما توهمت فيما أخطأت سعادتك.
فإن أبت سعادتك أن تكون إلا في غيابي.. فسأبتعد أيضًا!

لابلاندر

 

رسالة العشاء الأخير

رسالة العشاء الأخير

في البدء كانت الرسالة، كانت التذكرة والهجرة إلى الوطن، كان عرق الكتاب الذي يجمعنا. وكان اللقاء الأول، أقلب نظري بين الوجوه التي لم أكن أعرفها، بدأت أحفظ أسماء بعض وأنسى آخرين.

لقد كانت اليوتوبيا مدينة طوباوية نائمة في العدم فأيقظناها وأخرجناها إلى الوجود. مدينة يحكمها العارفون، ويسكنها العارفون.

من يبعث يوشع بن نون فيوقف لنا الشمس واللحظة؟!

لقد أدركت في هذا الملتقى أننا لا نحتاج إلى أن نتفق في المذاهب ولا في العقائد ولا في الأفكار ولا في البلدان والأعراق حتى نجتمع ويحب بعضنا بعضا. كنا متباينين وكان الحب يجمعنا. أدركت أن الوعي والمعرفة هي ما نحتاجه.

كانت الأيام تشد في كل يوم وثاقاً جديداً يربطنا ببعضنا أكثر، فلما أحكمت الأيام الوثاق واشتدت الصلة، جاءت لتسخر منا بالوداع.

كانت فكرة الوداع الآتية من المستقبل تطرق بابي كل يوم لتفسد علي لحظتي، وكنت في كل مرة أتجاهلها، أريد الاستمتاع بكل لحظة حاضرة، وكان العدم يحسدنا، يزداد كل يوم طرقاً، وكنت أتجاهل صوته، فيزداد طرقاً، ثم كانت اللحظة وكان أن دخل الوداع. لم يعد بعد اليوم عدماً، اليوم هو لحظة حاضرة.

اليوم ننفى من أوطاننا لنصبح أشتاتا متفرقة تعيش التيه، وليس لها حق العودة.

سأفتقد جلسات البهو المسائية، سأعيش مساءات الغد محمّلا بالذكرى وحدها. ستغدو هذه الأيام الجميلة لحظات ماضية، ندخل إليها بـ”كان” و”كان” و”كان”.

لما رأيت القوم قد رحلوا

وراهب الدير بالناقوس مشتغل

 

شبكت عشري على رأسي وقلت له

يا راهب الدير هل مرت بك الإبل

 

فحن لي وبكى بل رق لي ورثى

وقال لي: يا فتى ضاقت بك الحيل

 

إن الخيام التي قد جئت تطلبهم

بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا

كانت أثقل ساعات يومي هي ساعات النوم التي تفصلني عن الحياة. إنني أخشى إن وقفنا على باب الجنة يوم القيامة، أن يؤخر الله دخولنا إليها عدد أيام الملتقى لأننا اقتطعنا من نعيمها في الدنيا.

لكل الذين أخطأنا في حقهم فتجاهلنا أو تعالينا عن الاعتذار إليهم، نعتذر.

لكل الذين أحببناهم، فعقد الحياء ألسنتنا فلم نصارحهم، نحبكم.

إن من بين الوجوه التي ترونها اليوم، من ستحمل هذه الساعات المتبقية آخر العهد بهم، من الوجوه التي بيننا اليوم من سيشهد هذا المكان آخر مكان جمعنا بهم. سنغدو ذكرى تفسد كل لحظة جميلة ستمر بنا وتقول: قد كان من أيامك ولحظاتك أجمل من هذه.

الذكرى التي عرضتها على اللغات فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها قلبي.

ليلة العشاء الأخير، التي ستشهد صلب أرواحنا، سينوح الحمام ويبكي الشعر والغناء.

 

بكيت وهل بكاء القلب يجدي

فراق أحبتي وحنين وجدي

 

فما معنى الحياة إذا افترقنا

وهل يجدي النحيب فلست أدري

 

فلا التذكار يرحمني فأنسى

ولا الأشواق تتركني لنومي

 

سامي البطاطي

٢٩/٨/٢٠١٧

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑