رسالة إلى آغليا

 

رسالة إلى آغليا

الكاتب: Laplander
ترجمة: سامي البطاطي

إلى حبيبتي كما كنا، و.. -سأكذب إن قلت- صديقتي كما أصبحنا عليه، فالحب عزيزٌ عليه إن دخل قلبًا أن يخرج منه وحده. وما إن يرتقي المرء في سلّم الحب حتى يلقي بالسلالم الأولى فلا يتمكن بعدها من العودة إلا برمي نفسه، وعلى قدر صعود المرء في سلم الحب يكون وقع السقوط أشد.
كنت منذ صغري أخشى الارتفاعات، خصوصًا تلك التي ليس بينها وبين أن تسقط سوى أن يدفعك أحدهم نحوها، ولكن حبك كان أشد الارتفاعات التي خشيت السقوط منها.

يقول لي أصدقائي أن الزمن كفيل بمعالجة كل الخيبات، فما باله قد تقاعد عن أداء مهمته حينما احتجت إليه.
ثمة أشياء لا يمكن لنا أن نعود بعدها كما كنا قبلها.
أنتِ الوجود الذي ارتديته بغير اختياري، ووحده الموت طريق الخلاص منه.
صحيحٌ أن أفكار الانتحار كانت تقتلها نزعة التمسك بالبقاء التي ابتلي الإنسان بها ولو كان يعلم يقينًا بتعاسة حاضره ومستقبله، لكن الموت لم يعد بالنسبة لي فكرة مخيفة أو سيئة جدًا.

لقد عرفت منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك أن حريتي قد انتهت عندها.
وتصالحت لأجل تلك اللحظة مع كل الأقدار الماضية لأنها من عبّدت طريق لقائنا، وربما لو اختلفت منها لحظة واحدة لم ألتقي بك. كان العالم كله يهيئنا لهذه اللحظة!
لم يتعلق بك قلبي وحده، كان كل شيء فيّ معلق بك، روحي وقلبي وعيني وأذني وفمي وجسدي. عيني تستملح ملامحك، وأذني تطرب لصوتك، وفمي يستلذ النطق باسمك، وجسدي يحنّ إليك، وروحي.. معلقة بك أبدًا!
أشعر كما لو أن حبلًا يمتد من كل خلية في جسدي نحوك، ولطالما تخيلت الجنة مكانًا أعيش فيه معك.

حينما صافحتك آخر مرة، مكثت فترة طويلة أتجنب مصافحة الناس، أردت أن تكون يدك آخر يد لامستها. يدك التي لو صافحتها بيسراي لكانت هي اليمنى!
وكنت أتوهم أنني إذا أكثرت النظر إليك، سيقتل الاعتياد دهشة جمالك في قلبي، لكنني كنت في كل مرة أنظر لك بعين الدهشة الأولى. ما زلتِ في عيني أجمل امرأة رأيتها، وكأنما اجتمعت على خلقك آلهة الأديان كلها.

بالأمس وبينما كنت أقلب ألبوم الصور، وقعت عيني على صورة لك، فخِرتُ كما لو أن صخرة ثقيلة ألقيت على ظهري. ولم تكن هذه الصخرة سوى ذكريات ألقتها على قلبي صورتك دفعة واحدة.
آمنت بأن عدو الإنسان ذاكرته.
لطالما حاولت عبثًا تجنب النظر إليها والتوقف عن التفكير فيك، ولكن كل شيء كان يذكرني بك، حتى الكلمات التي تحمل في بنيتها أحد حروف اسمك صارت تذكرني بك.

كنا كشجرتين تبدوان للناس منفصلتين، ولكن جذورها كانت تعانق بعضها، فلما شاءت أوراقنا أن تتعانق هي الأخرى وتعلن الحب للناس تنبهت الأقدار لنا فقطعتها.
وبعد أن كان الغياب ضيفًا زائراً، صار يتخذ فينا وطنه.

إن حالي معك أشبه برجل فقدت زوجته ذاكرتها، فهو ينظر إليها كحبيبته وزوجته، في حين لا تنظر له هي سوى كرجل لطيف يتودد لها. فلا أنا بالقادر على التخلي عنك لأنك في عيني زوجتي، ولا أنتِ بالقادرة على استعادة ذاكرتك وتقبلني كذلك.

إنني لا أستطيع تفسير ما حدث بيننا إلا عقوبة إلهية. ولم تكن خطيئتي التي استحققت بها عقوبة الله أنني أحببتك، ولكن لأنني أحببتك أكثر من الله فعاقبني بك.
لطالما أرّقتني فكرة اطلاع الله على ما في قلبي لهذا السبب.
كان بإمكان الله حينما رفع الحب عن قلبك أن يطفئ شمعته عني أيضًا فنغدو كأي اثنين جمع بينهما الحب يومًا ثم رحل، ولكن الآلهة شاءت أن تظل نار الحب مشتعلة في قلبي وحدي حتى أحترق بها.
ربما كانت نسبة ما حدث بيننا إلى الله محاولة مني لتبرئتك ولو باتهام الله نفسه، وإن كنت أختار أحيانًا أن لا أؤمن بالله لأنني أحبه ولا أريد أن أنسب له خيبتي الأكبر، فإيماني به سيحتّم علي أن أعتقد أنه على أقل تقدير سمح بذلك.
أظنها مفارقة أن يكفر المرء بالله لأنه يحبه ولا يريد أن يعتقد به نسبة الخيبة إليه.

وفي الوقت نفسه لا أريد نسبتها لك، فلطالما حاول قلبي أن يحتفظ بصورتك المقدسة ولو على حساب تدنيس الأشياء كلها.
حتى أخطاؤك -التي كان ينظر لها قلبي أحيانًا كأخطاء- وتقع الملامة في نفسي عليك بسببها، كنت أتعمد ارتكابها لا انتقامًا ومماثلة في الفعل كما قد يبدو للناس، ولكن حتى نكون في الخطأ سواء فلا يبقى للملامة مبرر.

إن أكثر ما كنت أخشاه معك أن لا أمنحك السعادة التي تبحثين عنها والتي تستحقينها، السعادة التي كنت أتقفى أسبابها لأبذلها لك وكتبت على نفسي أن أسعى خلفها ولو على سفوح القمر، فحينًا أصيب وحينًا أعجز وحينًا أخطئ، وحينما أخطئ فلأنما توهمت فيما أخطأت سعادتك.
فإن أبت سعادتك أن تكون إلا في غيابي.. فسأبتعد أيضًا!

لابلاندر

 

Advertisements

عودة لما قبل الوراء

في أحد أيام آذار، استيقظت وقد أدار الزمن عجلاته إلى الخلف، وكانت الأشجار تعانق بعضها غافلة عن الطفل الذي تسلل خلسةً من صفحة الغد.
صغيرًا كنتُ في الثامنة، غير أني ما زلتُ أحتفظ بذاكرة منتصف العشرين. لقد أعاد الزمن الأشياء كلها إلى الوراء وسقطت ذاكرتي.

في تلك الصفحة من الزمن رأيتك ثانيةً لأول مرة. ثانيةً، لأنني التقيتك في المستقبل. ولأول مرة، لأننا في عرف اللحظة التي عدنا إليها لم نلتقي سلفًا.

عرفتُك في اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك. صحيحٌ أن كثيرًا من ملامحك كانت قد اختلفت، إلا أن عينيك ما زالت تحتفظ بالسحر نفسه الذي أوقعني في حبك وأنتِ في العشرين من عمرك. وحينما سألتك عن اسمك، وتأكدتُ أنك تحملين روح الفتاة التي أحبها، كتمتُ عنك سرّي.
لا أدري إذا ما كنت قد أحببتكُ ثانية أم هو الحب نفسه الذي حملته في حقائب الذاكرة!

صفحة بيضاء كنتِ، كقطرة مطر سقطت للتوّ من غيمة ولم تصل بعدُ للأرض. هادئة كالطبيعة التي كنا نلهو فيها، ونقتطف من أزهارها، وعند كل وردة أسألك إذا ما كنتِ تعرفين اسمها.

متشبثًا بيدك، لم تكن ثمة وجهة تقود أقدامنا الصغيرة قبل أن يدفعنا سقوط المطر لنستظل تحت إحدى الأشجار الكثيفة التي لم تستطع أن تمنع عنا البلل.

وفي احتبائنا الصامت، كنت أتأمل صوت أنفاسك وهي تخرج من شفتيك اللتين أرجفهما برد المطر.
تلتفتين إليّ وحينما تبصرين خدي المبلل تسألينني لماذا أبكي، فأكذب عليك بأنه بلل المطر وأن عيني المحمرة قد أصابها الرمد.
كاتمًا عنك سري، هل أخبرك بأننا إذا كبرنا سنفترق؟!

  • أصل القصة رؤية في المنام، بتصرّف!

إيمان عين ملحدة

إيمان عين ملحدة

بفضلها أصبحت عينه زائغة بين عيون النساء يفتش فيها. كان يستهدف الأماكن المزدحمة لأنها تحمل عيونًا أكثر يمكن التنقيب عنها.
لا، لم يكن سيئًا كما يمكن أن يوحي به تصرفه، ولم يكن يكذّب أيمان الوفاء التي كان يرتلها في محراب حبيبته. ولكنه كان يسعى إلى تجريدها من ألوهيتها في قلبه، ألوهية الكمال التي تستعبده.
كانت تؤرقه فكرة أن تمر فترة طويلة على علاقتهما وهي ما زالت تحتفظ في عينه بعرش الجمال الذي لم تستطع أي امرأة أخرى منافستها عليه. نبرة صوتها التي كانت تحمل سرًا تفتقده كل أغنيات العالم، أحاديثها وآراؤها وكل تفاصيلها التي صنعت منها آلهة في قلبه.
فكان يفتش في النساء عن من يمكن أن تحمل عينًا أجمل منها فتسقط من قلبه أسطورة فرادتها.
لم يكن يسعى ليستبدلها بمن هي أحسن منها، فإن كل النساء وإن بلغوا كمالات الحسن، ستفضلهم هي بأنها هي، وسيسقطون هم لأنهم ليسوا هي.
ولم يكن دافعه لإسقاط أسطورتها أن يسقط حبها من قلبه، ولكن توحيدَ قلبه الذي ينظر إليها كآلهة لا يشبهها أحد. يريد لحبه لها أن يكون بشريًا عاديًا، لا تستعبده فرادتها.
لم يتنبه لما يمكن أن تحمله له مهمته إن فشل فيها، فكانت أسطورتها تكتسب حقيقة أكبر كلما لاحقته الخيبة، ومملكة آلهته تتوسع في قلبه أكبر كلما اتسعت أعداد النساء التي صارت كل واحدة منهن دليلًا عليها.
أصبح كملحد يبحث في الأدلة عن إنكار وجود الله، فقادته الأدلة كلها إلى الله.
كان بإمكانه أن يتعلق بالجهل لو أنه اتكل على وهمه بأنها فريدة جنسها، لولا أنه بسعيه الآن قد تأكد منها!
وعبثًا كانت محاولاته كلها. لم يدرك وهو يفتش في عيون النساء، أن حبيبته كانت معيار الحسن التي يقيس بها الجمال. وأن النساء اللاتي نلن حظًا من الإعجاب عنده، إنما كان ذلك بحظهن من الشبه بها.
فكان من المحال عليه أن يعثر على من تفوقها في شيء إن كانت هي دستور القضاء، إن كانت هي الخصم والحكم!
حتى العيوب التي كان يخدع نفسه بأنه يبحث عنها كضرورة للكمال الإنساني، كانت هي عيوبها!
لم تكن الأفكار التي يبحث عنها سوى أفكارها، لم تكن الإجابات التي ينتظرها لأسئلته سوى إجاباتها هي.
لم يكن في الحقيقة يفتش في عيون النساء، بل كان يبحث عنها!

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑