عودة لما قبل الوراء

في أحد أيام آذار، استيقظت وقد أدار الزمن عجلاته إلى الخلف، وكانت الأشجار تعانق بعضها غافلة عن الطفل الذي تسلل خلسةً من صفحة الغد.
صغيرًا كنتُ في الثامنة، غير أني ما زلتُ أحتفظ بذاكرة منتصف العشرين. لقد أعاد الزمن الأشياء كلها إلى الوراء وسقطت ذاكرتي.

في تلك الصفحة من الزمن رأيتك ثانيةً لأول مرة. ثانيةً، لأنني التقيتك في المستقبل. ولأول مرة، لأننا في عرف اللحظة التي عدنا إليها لم نلتقي سلفًا.

عرفتُك في اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك. صحيحٌ أن كثيرًا من ملامحك كانت قد اختلفت، إلا أن عينيك ما زالت تحتفظ بالسحر نفسه الذي أوقعني في حبك وأنتِ في العشرين من عمرك. وحينما سألتك عن اسمك، وتأكدتُ أنك تحملين روح الفتاة التي أحبها، كتمتُ عنك سرّي.
لا أدري إذا ما كنت قد أحببتكُ ثانية أم هو الحب نفسه الذي حملته في حقائب الذاكرة!

صفحة بيضاء كنتِ، كقطرة مطر سقطت للتوّ من غيمة ولم تصل بعدُ للأرض. هادئة كالطبيعة التي كنا نلهو فيها، ونقتطف من أزهارها، وعند كل وردة أسألك إذا ما كنتِ تعرفين اسمها.

متشبثًا بيدك، لم تكن ثمة وجهة تقود أقدامنا الصغيرة قبل أن يدفعنا سقوط المطر لنستظل تحت إحدى الأشجار الكثيفة التي لم تستطع أن تمنع عنا البلل.

وفي احتبائنا الصامت، كنت أتأمل صوت أنفاسك وهي تخرج من شفتيك اللتين أرجفهما برد المطر.
تلتفتين إليّ وحينما تبصرين خدي المبلل تسألينني لماذا أبكي، فأكذب عليك بأنه بلل المطر وأن عيني المحمرة قد أصابها الرمد.
كاتمًا عنك سري، هل أخبرك بأننا إذا كبرنا سنفترق؟!

  • أصل القصة رؤية في المنام، بتصرّف!

إيمان عين ملحدة

إيمان عين ملحدة

بفضلها أصبحت عينه زائغة بين عيون النساء يفتش فيها. كان يستهدف الأماكن المزدحمة لأنها تحمل عيونًا أكثر يمكن التنقيب عنها.
لا، لم يكن سيئًا كما يمكن أن يوحي به تصرفه، ولم يكن يكذّب أيمان الوفاء التي كان يرتلها في محراب حبيبته. ولكنه كان يسعى إلى تجريدها من ألوهيتها في قلبه، ألوهية الكمال التي تستعبده.
كانت تؤرقه فكرة أن تمر فترة طويلة على علاقتهما وهي ما زالت تحتفظ في عينه بعرش الجمال الذي لم تستطع أي امرأة أخرى منافستها عليه. نبرة صوتها التي كانت تحمل سرًا تفتقده كل أغنيات العالم، أحاديثها وآراؤها وكل تفاصيلها التي صنعت منها آلهة في قلبه.
فكان يفتش في النساء عن من يمكن أن تحمل عينًا أجمل منها فتسقط من قلبه أسطورة فرادتها.
لم يكن يسعى ليستبدلها بمن هي أحسن منها، فإن كل النساء وإن بلغوا كمالات الحسن، ستفضلهم هي بأنها هي، وسيسقطون هم لأنهم ليسوا هي.
ولم يكن دافعه لإسقاط أسطورتها أن يسقط حبها من قلبه، ولكن توحيدَ قلبه الذي ينظر إليها كآلهة لا يشبهها أحد. يريد لحبه لها أن يكون بشريًا عاديًا، لا تستعبده فرادتها.
لم يتنبه لما يمكن أن تحمله له مهمته إن فشل فيها، فكانت أسطورتها تكتسب حقيقة أكبر كلما لاحقته الخيبة، ومملكة آلهته تتوسع في قلبه أكبر كلما اتسعت أعداد النساء التي صارت كل واحدة منهن دليلًا عليها.
أصبح كملحد يبحث في الأدلة عن إنكار وجود الله، فقادته الأدلة كلها إلى الله.
كان بإمكانه أن يتعلق بالجهل لو أنه اتكل على وهمه بأنها فريدة جنسها، لولا أنه بسعيه الآن قد تأكد منها!
وعبثًا كانت محاولاته كلها. لم يدرك وهو يفتش في عيون النساء، أن حبيبته كانت معيار الحسن التي يقيس بها الجمال. وأن النساء اللاتي نلن حظًا من الإعجاب عنده، إنما كان ذلك بحظهن من الشبه بها.
فكان من المحال عليه أن يعثر على من تفوقها في شيء إن كانت هي دستور القضاء، إن كانت هي الخصم والحكم!
حتى العيوب التي كان يخدع نفسه بأنه يبحث عنها كضرورة للكمال الإنساني، كانت هي عيوبها!
لم تكن الأفكار التي يبحث عنها سوى أفكارها، لم تكن الإجابات التي ينتظرها لأسئلته سوى إجاباتها هي.
لم يكن في الحقيقة يفتش في عيون النساء، بل كان يبحث عنها!

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑