سيدة المسيح

 

سيدة المسيح

خلع سترة الحب الملطخة بالخيبة، استنفدت منه الحرب كل ما تبقى في روحه من حياة. لم يكن يعلم أن معارك الحب هي الأخرى لا يمكن حتى للمنتصر فيها أن يخرج منها سليمًا. كل أنبيائه قد قُتلوا، فكفر بأفروديت وإيروس وفينوس وكل آلهة الحب.
يتحسس من ذكرها، تصيبه نوبة الصدمة كلما قرع أذنه اسمها.
اعتصرت الحرب قلبه حتى جف بعدما كانت المعاني تستمد حياتها منه.
لم تعد خطرات النساء تعني له ما كانت تصنع به قبلها، حجرًا أمام أسنة الملاطفات، حطبًا تحترق دون الوصول إليه الرغبات.
كل الوجوه التي كانت تمر عليه لم تلفت انتباهه، لقد فقد المادة التي كانت تمده بالشعور نحوها. يستثقل خطواته في عجلة الزمن. همّ مرة بأن يتخلص من جسده ليلحقه الموت كما فعلت الحرب بروحه.
وهناك.. هناك كانت تقف وحدها.
أحس برعشة تسري في جسده، برائحة الحرب التي لا يخطؤها قلبه، ارتعد خوفًا. ولكن خوفه من شعوره بالخوف كان أشد.
كان العلامة الأولى على أن روحه لم تلفظ أنفاسها كلها، وأنها ما زالت تشعر وتخاف!
هو الذي مذ عاد من وغى الحرب لم يهب شيئًا ولم يخشَ على نفسه من أحد، فلماذا أحس الآن بالخوف منها دون غيرها وهو لا يعرفها؟
لقد كان متأكدًا من أن روحه قد فارقت الحياة منذ مدة، فمن هذه التي استطاعت بمسحتها أن تعيد لروحه الحياة؟

Advertisements

رسالة إلى آغليا

 

رسالة إلى آغليا

الكاتب: Laplander
ترجمة: سامي البطاطي

إلى حبيبتي كما كنا، و.. -سأكذب إن قلت- صديقتي كما أصبحنا عليه، فالحب عزيزٌ عليه إن دخل قلبًا أن يخرج منه وحده. وما إن يرتقي المرء في سلّم الحب حتى يلقي بالسلالم الأولى فلا يتمكن بعدها من العودة إلا برمي نفسه، وعلى قدر صعود المرء في سلم الحب يكون وقع السقوط أشد.
كنت منذ صغري أخشى الارتفاعات، خصوصًا تلك التي ليس بينها وبين أن تسقط سوى أن يدفعك أحدهم نحوها، ولكن حبك كان أشد الارتفاعات التي خشيت السقوط منها.

يقول لي أصدقائي أن الزمن كفيل بمعالجة كل الخيبات، فما باله قد تقاعد عن أداء مهمته حينما احتجت إليه.
ثمة أشياء لا يمكن لنا أن نعود بعدها كما كنا قبلها.
أنتِ الوجود الذي ارتديته بغير اختياري، ووحده الموت طريق الخلاص منه.
صحيحٌ أن أفكار الانتحار كانت تقتلها نزعة التمسك بالبقاء التي ابتلي الإنسان بها ولو كان يعلم يقينًا بتعاسة حاضره ومستقبله، لكن الموت لم يعد بالنسبة لي فكرة مخيفة أو سيئة جدًا.

لقد عرفت منذ اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك أن حريتي قد انتهت عندها.
وتصالحت لأجل تلك اللحظة مع كل الأقدار الماضية لأنها من عبّدت طريق لقائنا، وربما لو اختلفت منها لحظة واحدة لم ألتقي بك. كان العالم كله يهيئنا لهذه اللحظة!
لم يتعلق بك قلبي وحده، كان كل شيء فيّ معلق بك، روحي وقلبي وعيني وأذني وفمي وجسدي. عيني تستملح ملامحك، وأذني تطرب لصوتك، وفمي يستلذ النطق باسمك، وجسدي يحنّ إليك، وروحي.. معلقة بك أبدًا!
أشعر كما لو أن حبلًا يمتد من كل خلية في جسدي نحوك، ولطالما تخيلت الجنة مكانًا أعيش فيه معك.

حينما صافحتك آخر مرة، مكثت فترة طويلة أتجنب مصافحة الناس، أردت أن تكون يدك آخر يد لامستها. يدك التي لو صافحتها بيسراي لكانت هي اليمنى!
وكنت أتوهم أنني إذا أكثرت النظر إليك، سيقتل الاعتياد دهشة جمالك في قلبي، لكنني كنت في كل مرة أنظر لك بعين الدهشة الأولى. ما زلتِ في عيني أجمل امرأة رأيتها، وكأنما اجتمعت على خلقك آلهة الأديان كلها.

بالأمس وبينما كنت أقلب ألبوم الصور، وقعت عيني على صورة لك، فخِرتُ كما لو أن صخرة ثقيلة ألقيت على ظهري. ولم تكن هذه الصخرة سوى ذكريات ألقتها على قلبي صورتك دفعة واحدة.
آمنت بأن عدو الإنسان ذاكرته.
لطالما حاولت عبثًا تجنب النظر إليها والتوقف عن التفكير فيك، ولكن كل شيء كان يذكرني بك، حتى الكلمات التي تحمل في بنيتها أحد حروف اسمك صارت تذكرني بك.

كنا كشجرتين تبدوان للناس منفصلتين، ولكن جذورها كانت تعانق بعضها، فلما شاءت أوراقنا أن تتعانق هي الأخرى وتعلن الحب للناس تنبهت الأقدار لنا فقطعتها.
وبعد أن كان الغياب ضيفًا زائراً، صار يتخذ فينا وطنه.

إن حالي معك أشبه برجل فقدت زوجته ذاكرتها، فهو ينظر إليها كحبيبته وزوجته، في حين لا تنظر له هي سوى كرجل لطيف يتودد لها. فلا أنا بالقادر على التخلي عنك لأنك في عيني زوجتي، ولا أنتِ بالقادرة على استعادة ذاكرتك وتقبلني كذلك.

إنني لا أستطيع تفسير ما حدث بيننا إلا عقوبة إلهية. ولم تكن خطيئتي التي استحققت بها عقوبة الله أنني أحببتك، ولكن لأنني أحببتك أكثر من الله فعاقبني بك.
لطالما أرّقتني فكرة اطلاع الله على ما في قلبي لهذا السبب.
كان بإمكان الله حينما رفع الحب عن قلبك أن يطفئ شمعته عني أيضًا فنغدو كأي اثنين جمع بينهما الحب يومًا ثم رحل، ولكن الآلهة شاءت أن تظل نار الحب مشتعلة في قلبي وحدي حتى أحترق بها.
ربما كانت نسبة ما حدث بيننا إلى الله محاولة مني لتبرئتك ولو باتهام الله نفسه، وإن كنت أختار أحيانًا أن لا أؤمن بالله لأنني أحبه ولا أريد أن أنسب له خيبتي الأكبر، فإيماني به سيحتّم علي أن أعتقد أنه على أقل تقدير سمح بذلك.
أظنها مفارقة أن يكفر المرء بالله لأنه يحبه ولا يريد أن يعتقد به نسبة الخيبة إليه.

وفي الوقت نفسه لا أريد نسبتها لك، فلطالما حاول قلبي أن يحتفظ بصورتك المقدسة ولو على حساب تدنيس الأشياء كلها.
حتى أخطاؤك -التي كان ينظر لها قلبي أحيانًا كأخطاء- وتقع الملامة في نفسي عليك بسببها، كنت أتعمد ارتكابها لا انتقامًا ومماثلة في الفعل كما قد يبدو للناس، ولكن حتى نكون في الخطأ سواء فلا يبقى للملامة مبرر.

إن أكثر ما كنت أخشاه معك أن لا أمنحك السعادة التي تبحثين عنها والتي تستحقينها، السعادة التي كنت أتقفى أسبابها لأبذلها لك وكتبت على نفسي أن أسعى خلفها ولو على سفوح القمر، فحينًا أصيب وحينًا أعجز وحينًا أخطئ، وحينما أخطئ فلأنما توهمت فيما أخطأت سعادتك.
فإن أبت سعادتك أن تكون إلا في غيابي.. فسأبتعد أيضًا!

لابلاندر

 

عودة لما قبل الوراء

في أحد أيام آذار، استيقظت وقد أدار الزمن عجلاته إلى الخلف، وكانت الأشجار تعانق بعضها غافلة عن الطفل الذي تسلل خلسةً من صفحة الغد.
صغيرًا كنتُ في الثامنة، غير أني ما زلتُ أحتفظ بذاكرة منتصف العشرين. لقد أعاد الزمن الأشياء كلها إلى الوراء وسقطت ذاكرتي.

في تلك الصفحة من الزمن رأيتك ثانيةً لأول مرة. ثانيةً، لأنني التقيتك في المستقبل. ولأول مرة، لأننا في عرف اللحظة التي عدنا إليها لم نلتقي سلفًا.

عرفتُك في اللحظة الأولى التي رأيت فيها عينيك. صحيحٌ أن كثيرًا من ملامحك كانت قد اختلفت، إلا أن عينيك ما زالت تحتفظ بالسحر نفسه الذي أوقعني في حبك وأنتِ في العشرين من عمرك. وحينما سألتك عن اسمك، وتأكدتُ أنك تحملين روح الفتاة التي أحبها، كتمتُ عنك سرّي.
لا أدري إذا ما كنت قد أحببتكُ ثانية أم هو الحب نفسه الذي حملته في حقائب الذاكرة!

صفحة بيضاء كنتِ، كقطرة مطر سقطت للتوّ من غيمة ولم تصل بعدُ للأرض. هادئة كالطبيعة التي كنا نلهو فيها، ونقتطف من أزهارها، وعند كل وردة أسألك إذا ما كنتِ تعرفين اسمها.

متشبثًا بيدك، لم تكن ثمة وجهة تقود أقدامنا الصغيرة قبل أن يدفعنا سقوط المطر لنستظل تحت إحدى الأشجار الكثيفة التي لم تستطع أن تمنع عنا البلل.

وفي احتبائنا الصامت، كنت أتأمل صوت أنفاسك وهي تخرج من شفتيك اللتين أرجفهما برد المطر.
تلتفتين إليّ وحينما تبصرين خدي المبلل تسألينني لماذا أبكي، فأكذب عليك بأنه بلل المطر وأن عيني المحمرة قد أصابها الرمد.
كاتمًا عنك سري، هل أخبرك بأننا إذا كبرنا سنفترق؟!

  • أصل القصة رؤية في المنام، بتصرّف!

أيّنا أكثر حظًا: نحن أم آدم؟

 

أيّنا أكثر حظًا: نحن أم آدم؟

يرى عالم النفس والفيلسوف الألماني الأمريكي إيريك فروم في الحب الوسيلة لقهر الانفصال الذي يلازم الإنسان بعد انفصاله عن أمه ووعيه التدريجي بانفصاليته، باعتبار الحب الحل الكامل لهذه المشكلة التي يطلق عليها مشكلة الوجود الإنساني.

وينطلق من هذه المشكلة للحديث عن تجربة “الوقوع في الحب”، الانهيار الفجائي للحدود بين اثنين، حيث يصبح الغريب معروفًا للآخر بشكل حميمي، يذوب معه شعور الانفصال لدى الإنسان، فيشعر بنوع من الاتحاد مع الآخر، يقوى على قدر المفاجآت التي يكشفها له الآخر أو يكشفها هو للآخر.

يمكن أن ندعو هذه المرحلة مجازًا بـ”جنة الحب”. ولا عجب أن نسمع إذن عن فترة الخطوبة في الزواجات التقليدية على وجه الخصوص أنها أجمل فترات الارتباط. وقلت أننا يمكن أن ندعو هذه المرحلة بـ”جنة الحب” مجازًا، لأن أبرز خصائص الجنة هو الخلود، بينما المرحلة هذه بطبيعتها قصيرة العمر. فحتى لو استطعنا أن نجد في كل يوم جانبًا من حياتنا الشخصية للحديث عنه، آمالنا وقلقنا، بل وحتى غضبنا وإحباطنا، فإنها ستميل -كما يقول فروم- إلى النقصان أكثر بمرور الزمن.

وهنا تبدأ المشكلة، حينما نتوهم المشكلة في الشخص نفسه، دون اعتبار طبيعة العلاقات نفسها، ثم نبحث نتيجة لهذا عن الحب مع شخص آخر، أو مع غريب جديد كما يقول فروم، لتتكرر العملية نفسها، مع الوهم نفسه الذي سيصحبنا في كل مرة أن الحب الجديد سيكون مختلفًا عن كل السالفين، قبل أن يبدده الزمن مرة عاشرة. وما كانت هذه الأطوار لتشكل مشكلة حقيقية لو كان الوعي بها حاضرًا.

قلت مرة لأحد أصدقائي في ساعة إحباط: لا تقع في حب فتاة تنوي الزواج بها إلا حينما تكون مستعدًا للزواج، حتى لا تطول الأيام بينكما فيفتر الحب في قلبها ثم تفقد الرغبة المتقدة الأولى بك، فإنك إن لم تظفر بها في “جنة الحب” فلن تضمن الظفر بها عند الخروج منها.

وبعيدًا عن المغالطة في نصيحتي حينما وجهت له النصيحة بأن لا يقع في الحب كما لو كان الوقوع في الحب شيئًا نختاره، بل كما لو أن الإنسان “يقع” بوعيه، فإني تساءلت فيما لو كان بالفعل خيرًا لنا أن نهبط من تلك الجنة قبل أن يجرّد الزمن مشاعر الحب الأولى. إذا ما سلّمنا بأن ذلك الهبوط قدر محتم كقدر أبينا آدم.

في اعتقادي أنه خيرٌ لنا أن نعيش حياة الرتابة بعد الهبوط من جنة الحب، على أن ندخلها بوهم صورة لن تستمر أبدًا. لقد كنا أكثر حظا من أبينا آدم حينما وُهبنا الحياة بعد الهبوط من الجنة، فعرفناها أول ما عرفناها ببؤسها وفنائها ولم نعشها بوهم النعيم والخلود.

غير أن ما سبق يمكن أن يبعث لنا رسالة أخرى، وهي أن لا نتمسك بأؤلئك الذين يحبوننا على نحو أكثر قدر تمسكنا بالذين يستطيعون أن يحبوننا على نحو أطول.
من السهل جدًا أن نعثر على من يمكن أن يحملوا لنا مشاعر حب عظيمة للحظة، ولكن من الصعب جدًا أن نعثر على من يستطيعون أن يحملوا لنا هذه المشاعر دائمًا، أولئك الذين رفضوا أن يغويهم الشيطان فلم يخرجوا من الجنة.

 

الأحوال تخلقنا

صدقني يا عزيزي، الحياة لا تقف على من توهمت سعادتك معها وحدها. لم يكمل من النساء سوى أربع وكلهن قد رحلن، وما عداهن فيشتركن في النقص، وليس من شيء عند إحداهن إلا وفي جنسها من تشاركها فيه.
لا أؤمن بالحب الأوحد. الناس يشتركون في محاسنهم كما يشتركون في عيوبهم. وليس بين أيدينا لوح محفوظ حتى نحكم على أن مقادير سعادتنا قد كُتبت لنعيشها مع أحد دون غيره.
إن خلف كل إنسان تعرفه آخر لا تعرفه، ولهذا الذي لا تعرفه أناسي لا تعرفهم، يختلفون باختلاف أحوالهم. في داخل كل واحد منا إنسان بحسب حاله، أباً أو ابناً أو زوجاً أو صديقاً أو زميلاً في العمل. وقد تتباين إنسانيته بينها حد التناقض. وقد يعجبك المرء في حال دون حال، ولكل إنسان من هؤلاء في داخلك مفاتيح لا يملكها كل أحد، وإن من المفاتيح ما لم يكتشفها المرء نفسه في داخله، سيدركها حينما تضعه الأقدار في أحوال أخرى.
رابطة الصداقة ليست كرابطة الزواج، ومشاكل الأصدقاء ليست كمشاكل الأزواج. إننا لا نعرف عن الآخرين سوى وجه واحد أو إنسان واحد، سيموت عند تبدل الحال لنقابل بعدها إنساناً آخر لا يشبه الأول في شيء سوى الصورة. إنسان آخر لم يكتشفه حتى أصدقاؤه وأهله ولا حتى هو في نفسه. الأحوال يا صاحبي تخلقنا من جديد، ووحده الله من يعرفنا في كل أحوالنا.

صباح الخير

 

صباح الخير سيدتي..
صباح الخير مدينتي الأفلاطونية..

صباح الخير للمخدة التي أحسدها لأنها تلامس شعرك الآن، للغطاء الذي أكرهه لأنه يعتنقك، للفراش الذي يشعل نار غيرتي لأنه يحتضنك.

صباح الخير للثياب التي ترتدينها، وللثياب التي سترتدينها، ولثياب الأمس الثكلى التي كنت ترتدينها.

صباح الخير لغرفتك التي تخلو بك الآن، من يخبرها أن الخلوة في شرعنا حرام؟!

صباح الخير للوجوه المحظوظة التي ستسمع صباحاتك حينما تستيقظين، وترى ملامحك الأولى الناعسة.

صباح الخير لنسمة الهواء التي تتسلل إلى جسدك الآن وتخرج، ليتني كنت نسمة الريح!

صباح الخير للوجبة التي تنتظر استيقاظك لتزورك ولن تمنعها من زيارتك عادات مجتمع الطعام.

صباح الخير للكلمات التي ستداعب فمك للمرة الأخيرة قبل أن تخرج.

صباح الخير للأشياء التي تنظر إليك، للكتاب الذي سيصافحك، للأغنية التي ستدخل أذنك، للمواضع التي ستمشي عليها قدمك، وللأفكار التي ستسكن عقلك.

وصباح الخير للهاتف الذي تمسكين به الآن وأنت تقرئين أو تسمعين صباحاتي.

 

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑